خديعة الإسلام السياسي: انهيار الغرب فرصة للمسلمين

انهيار الحضارة الغربية حتمية تاريخية ومصلحة إسلامية سرعان ما ينتقل من طور الانتظار إلى طور العمل لأجل تحقيق النتيجة بشتى الطرق والوسائل.
الاثنين 2018/04/16
نتظلل بقوانين العلمانية وندعو على الغرب بالويل والثبور

في العالم الإسلامي بدأت محاولات “التأصيل الفكري” لذلك الرهان المفلس من كتابات المفكر الجزائري مالك بن نبي. هذا الأخير يسرد أسبابا محددة لسقوط الحضارة الغربية لكي يزعم في الأخير بأن “قيام دولة إسرائيل في فلسطين… بداية مؤشر انهيار الحضارة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية” (وجهة العالم الإسلامي – الجزء الثاني (المسألة اليهودية)، مكتبة الأسد، آفاق معرفة متجددة، الطبعة الأولى 2012، ص 14).

وقد أطلقت تيارات ما سمي بـ”الصحوة الإسلامية” خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي عدة شعارات تجييشية هيّجت النفوس وأشعلت نيران الفتن، واستندت في مجملها إلى عدة أفكار متهافتة وهدامة، من بينها أن انهيار الحضارة الغربية سيكون وشيكا، وسيحدث بسبب طابعها المادي وبسبب انحلالها الأخلاقي، وربما بسبب الحرب العالمية الثالثة أيضا. وفي الأخير سيعقب ذلك الانهيار المهول انتصارا مدويا للإسلام.

 

رحلة البحث عن الخدائع المؤسسة للإسلام السياسي، تؤدي إلى عدد مكثّف من الأفكار الجزئية التي قامت عليها خديعة أخرى من خدائع الإسلاميين، وتتعلق بخديعة قرب انهيار الحضارة الغربية، وهو الانهيار الذي سيكون لصالح الإسلام وفي مصلحة المسلمين أو هكذا يزعمون

بالإضافة إلى كل ذلك فقد حاول قادة ودعاة الإسلام السياسي إنتاج قاموس سياسي يقدم نفسه كبديل عن القاموس الموجود في العلوم السياسية الدولية، وذلك بدعوى التبيئة والأسلمة والتأصيل وما شابه، وهو الإجراء الذي بدأته الحالة الإيرانية حين استطاعت في أجواء ما سمي بالصحوة أن تُحدث انقلابا جذريا في مستوى الجهاز المفاهيمي ككل، من قبيل الحديث عن الاستكبار العالمي بدل الإمبريالية العالمية، وعن اليهود بدل الصهيونية، وعن الجهاد بدل النضال، وعن تغيير المنكر السياسي بدل الإصلاح السياسي، وعن الطاغوت بدل الاستبداد، وعن المستضعفين بدل الشعوب أو بدل شعوب العالم الثالث.

دون أدنى شك فإن المسلم الذي يقتنع بفكرة أن انهيار الحضارة الغربية حتمية تاريخية ومصلحة إسلامية سرعان ما ينتقل من طور الانتظار إلى طور العمل لأجل تحقيق تلك النتيجة بشتى الطرق والوسائل الممكنة وغير الممكنة. كما ليس مستغربا أن تنعكس تلك النزعة العدوانية على سلوك الكثير من المنظمات الإسلامية في ضواحي المجتمعات الغربية، والتي أصبحت حاضنة للإرهاب المعولم. فقد كان القائد الميداني لهجمات 11 سبتمبر 2001، محمد عطا، أحد أبناء تلك الحواضن ممن تنقلوا بين ألمانيا وأفغانستان قصد التدرب على التعجيل بسقوط الغرب، بعد أن شعر المخدوعون بأن سقوطه قد تأخر أكثر من اللازم.

وقد جاءت قبل ذلك إدانة عمر عبدالرحمن المحكوم حاليا بالمؤبد بعد إصداره لفتوى تحرض على القيام بهجمات إرهابية، في سياق دروس رمضانية كان يلقنها للجالية المسلمة في الولايات المتحدة. لقد تسربت العدوى إلى مسلمي أوروبا عبر بوابة “فقه المعاملات في بلاد الكفر”، وهي العدوى التي ساهم فيها شيوخ السلفية الجهادية، الفزازي، أبوحمزة، أبوقتادة، وغيرهم، خلال التسعينات من القرن الماضي.

وبدعوى حرية التعبير تم استصدار الكثير من الفتاوى المخالفة للقوانين والأخلاق، من قبيل جواز سرقة بعض المحلات التجارية، والتضييق على المارة في الطرقات وغيرها، في ذلك السياق وُضِع الشباب المسلم في أفق انتظار أسلمة وشيكة لأوروبا، سواء بالهجرة أو التناسل أو على الخصوص بفعل جهود التنظيمات السياسية التابعة لجماعة العدل والإحسان المغربية، وجماعة الإخوان المسلمين الدولية وغيرهما. الأمر الذي حوّل الكثير من ضواحي المدن الغربية إلى مجرد حواضن للمحبطين بسبب طول انتظار “انهيار الغرب” و”انتصار الإسلام”، فكان طبيعيا أن يقرر الشباب المبشّر بانهيار الغرب العمل بنفسه قصد التعجيل بـ”النبوءة”.

طبعا لن نتكلم عن الالتباس الذي وقع فيه الكثير من اليساريين، من حيث الخلط بين انهيار الرأسمالية الغربية وانهيار الحضارة الغربية، وهو الالتباس الذي ساهم في استقواء الإسلام السياسي في آخر المطاف. لكن ماذا عن تهافت الأفكار المكوّنة لخديعة الانهيار الوشيك للغرب؟

- أولا، فكرة أن الغرب سينهار قريبا: في أجواء الحربين العالميتين وأزمة 1929، تشكّلت فرضيات حول قرب انهيار الحضارة الغربية، فرضيات صاغها بعض المفكرين الغربيين بادئ الأمر، ثم سرعان ما استهوت الكثيرين ممن تداولوها كنبوءة “تشفي الغليل”، بل تداولوها على طريقة الرؤية القيامية، حيث ربط بعضهم بين علامات انهيار الحضارة الغربية من جهة، وعلامات الساعة من جهة ثانية (النساء الكاسيات العاريات، والتطاول في البنيان، إلخ). لكن بمعزل عن الأماني الوسواسية والتي باتت تحتاج إلى نوع من المقاربة العلاجية، لا توجد مؤشرات موضوعية لقرب انهيار حضارة ظلت منذ منتصف القرن العشرين إلى غاية اليوم هي الحضارة الأكثر احتراما للتعددية والتداول السلمي للسلطة ومناهج البحث العلمي والإبداع الفني وقضايا الحريات الفردية والمساواة الجنسية وحقوق الأقليات. وإلا فما هي مؤشرات انهيار حضارة لا تزال إلى غاية الآن تمثّل الأفق الكوني لكل الحالمين بالهجرة نحو حياة جديرة بالحياة؟ لعلها ثلاثة مؤشرات مزعومة: النزعة المادية والنزعة الإباحية والحرب العالمية الثالثة. لا بأس أن نناقشها تباعا.

- ثانيا، فكرة أن الغرب سينهار بسبب ماديته: ليس هناك من شك في أن توصيف الغرب بأنه مجرّد حضارة مادية خالية من الروح هو أكبر خديعة من خدائع الإسلام السياسي. بالعقل السليم يمكننا أن نتساءل: كيف لحضارة تقود العالم في مجالات الإبداع الموسيقي والفلسفي والفني والمعماري والأدبي والجمالي أن تكون حضارة مادية بلا روح؟ وإذا لم تتجلَّ الروح في تلك المجالات فأين ستتجلى إذن؟

حتى وإن سقطت الحضارة الغربية لأي سبب من الأسباب فلن تنهض أي حضارة أخرى دون الاعتماد على مكتسبات الحداثة والتنوير

- ثالثا، فكرة أن الغرب سينهار بسبب انحلاله الأخلاقي: في ما يخص هذا الادعاء تكفي مقارنة بسيطة بين مظاهر التحرّش الجنسي في كل من المجتمعات الغربية والمجتمعات ذات الغالبية المسلمة حتى تنكشف أوهامنا المثيرة للسخرية. وهذا دون التطرق إلى مختلف المظاهر التي تحمل المعنى الحقيقي للفساد الأخلاقي: الرشوة، التهرب الضريبي، الغش، الكسل، الكذب. وهنا بالذات لسنا مؤهلين لإعطاء الدروس للآخرين.

- رابعا، فكرة أن الغرب سينهار بسبب الحرب العالمية الثالثة: لا شك أن هذا الرهان السوداوي قد انتهى مباشرة عقب سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، مخلّفا وراءه ذكرى سيئة لذهنية تنتظر انهيار الآخر لكي تقتات على جثثه مثل الضباع الخاملة، مقابل شعوب أخرى انطلقت قبل نصف قرن فقط من نقطة الصفر وصارت اليوم تنافس الغرب في مختلف الميادين والمجالات دون أن تنتظر انهياره. عموما ثمة شيء مؤكد، إن الانفعالات السلبية لا تصنع الحضارة، بل تبدّد كل الفرص الممكنة لبناء الحضارة.

- فكرة أن الإسلام سينهض عقب انهيار الغرب: في ما اصطلح عليه البعض باسم سنّة التدافع الحضاري، استنادا إلى الآية التي أسيئ استعمالها، “لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”، وهي الآية التي يقدّمها التيار الجهادي لتبرير عنفه، ويقدمها التيار الإخواني لتبرير شموليته. فالإسلام عندهم هو الأحق بقيادة البشرية، لا لسبب مقنع سوى لأنه “خاتم الرسالات”، ولا لمبرر معقول سوى لأن الأمة الإسلامية هي “خير أمة أخرجت للناس″. لكن في الوقت الذي كان فيه أنصار ما يسمى بالصحوة الإسلامية يرقبون انهيار الغرب كما لو أنهم يرقبون شهر رمضان، كانت شعوب أخرى مثل اليابان والصين والهند تشق طريق الصعود من دون حاجة لانتظار سقوط الغرب أو غير الغرب.

عموما حتى وإن سقطت الحضارة الغربية لأي سبب من الأسباب فلن تنهض أي حضارة أخرى دون الاعتماد على مكتسبات الحداثة والتنوير، بكل ما يعنيه ذلك من قدرة وجرأة في استيعاب قيم العقل، والمساواة والحريات الفردية وحقوق الإنسان وروح البحث العلمي والتطلع إلى إعمار الفضاء وتحسين نوعية الحياة وحماية التنوع البيولوجي وترسيخ وحدة النوع البشري. عدا كل ذلك، سيكون انهيار الحضارة الغربية في حال حدوثه مجرد تدهور مجاني في الحضارة الإنسانية بأسرها.

13