خديعة المراجعات سلاح أخير لعودة الإخوان للعمل السياسي في مصر

الاثنين 2014/09/29
الجماعةالقطبية تحاول العودة إلى العمل السياسي بترويج كذبة المراجعة

القاهرة- تحاول جماعة الإخوان المسلمين في المدة الأخيرة فهم الواقع الذي أضحت عليه بعد تجربة عام من السلطة وعام على ثورة أسقطتهم. فبعد أن مرت الجماعة (المصنفة إرهابية) بفترة الصدمة وإنكار الواقع، هاهي الآن تستفيق تدريجيا محاولة الخروج مرة أخرى إلى الساحة بملمح جديد تحت شعار «لقد قمنا بمراجعات نقدية لذواتنا». لكن العديد من الخبراء في الجماعات الإسلامية يؤكدون أن هذه المراجعات «ليست سوى ذر رماد في العيون للتأهب لدورة حياتية جديدة».

فيما يشاع أن الإخوان المسلمين يسعون على مستوى التنظيم العالمي للجماعة، لإجراء مراجعات فكرية تشمل مرتكزاتهم المرجعية، وهو الأمر الذي بات خيار الجماعة الأخير، بعد الضربات الموجعة التي تلقتها في مستوى مسيرتها (أبرزها ما واجهته في مصر من عملية انهيار في قوى الجماعة وعدم مقدرتها على تماسك عضوية التنظيم)، فإن العديد من المراقبين يرون أنه ليس بإمكان الجماعة أن تقوم بمثل هذه المراجعات، لأن القيام بمثل هذا العمل من شأنه أن يقضي عليها تماما، نظرا لأنها أُنشئت أساسا لأداء دور وظيفي لخدمة قوى الإمبريالية، وأن الادعاء بالقيام بمثل هذا العمل ما هو إلا كالنفخ في الرماد، حتى يتاح لهذه الجماعة تغيير جلدها وصورتها، خاصة وأن أمرها افتضح لدى العامة.


الفكر القطبي الإرهابي


الإخوان بحاجة ماسة إلى مراجعات شاملة وتنقيح مناهجهم من الفكر القطبي الإرهابي والتخلي عن التنظيمات السرية

يعتبر سيد قطب من أبرز المنظرين للعنف في العمل السياسي، نظرا لأنه القيادي الأبرز في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين الذي لا يفرق فعلا بين العمل السياسي والاعتقاد الديني، بل إن بعض متعصبي الإخوان يعتبر سيد قطب صاحب مقولة “قتال المجتمع الجاهلي” هو المؤسس الفعلي لحركة الإخوان المسلمين وما حسن البنا سوى واضع الأفكار الرئيسية الأقرب إلى النظرية العامة.

ويؤكد مختصون في الجماعات الإسلامية أن الإخوان بحاجة ماسة إلى مراجعات شاملة وتنقيح مناهجهم من الفكر القطبي الجهادي، وأن يكونوا أكثر انفتاحا على الاتجاهات السياسية الأخرى عبر التقليل من حجم الانغلاق التنظيمي الذي تعاني منه قواعد الجماعة.

وفي السياق يعلق سعيد الصادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية بقوله إن “الجماعة تعاني من سيطرة التيار القطبي المحافظ على مفاصلها واستئثاره باتخاذ القرار”. ويضيف: “إن المشكلة الرئيسية التي تعاني منها الجماعة هي تهميش الشباب وإبعاده عن المراكز القيادية، مما جعل قرارات وإستراتيجية الإخوان بعيدة عن تحركات الشارع التي يقودها الشباب ذاته”.

وتشير تقارير الباحثين إلى أن جماعة الإخوان بدأت سلسلة الإصلاحات التنظيمية بتقليل سن عضو مكتب الإرشاد إلى أربعين عاما، الأمر الذي سمح بصعود مجموعة من الشباب إلى عضوية المكتب. ولكن التجربة أثبتت أن هذا الإجراء الإصلاحي لم يكن سوى محاولة لاستيعاب غضب قواعد الجماعة من القيادات الشبابية المعبأة، ورغبة في تطويق الخلافات خوفا من أية انشقاقات.

ويتوقع سعيد الصادق أن هذه التغييرات لن تكون الوحيدة التي ستشهدها الجماعة، بل ستشهد خلال المرحلة القادمة موجة من التغييرات التنظيمية في أعضاء أمانات الشعب والمكاتب الإدارية للجماعة في مختلف أنحاء الجمهورية، مؤكدا أن خطوة المراجعات الفكرية والإصلاحات التنظيمية تأتي كمحاولة لإعادة دمج الإخوان في الشارع السياسي، وإعادة إنتاج المشروع الإسلامي بوجه جديد بعد أن رفضه الشعب وأسقطه.


"بتر" الأعضاء المحافظين


جماعة الإخوان في حاجة إلى إعادة هيكلة والتعامل مع الأمر الجديد بمنظور أكثر شمولية ووضوح

أجبر الواقع الذي أصبحت عليه جماعة الإخوان المسلمين، بعد تورط أغلب قياداتها في أعمال وجرائم إرهابية تمس من الأمن القومي المصري والعربي عموما كل القيادات التي بقيت خارج السجون الآن على أن تتصرف بشكل فردي وتلقائي في اتخاذ التدابير والقرارات خاصة على المستوى التنظيمي. ولعل وجود عدد كبير من الشباب في مستوى تلك القيادات بدأ في إبراز مواقف مختلفة نوعا ما عن مواقف وقراءات الجيل الذي سبق، وهو ما يهدد جديا بزوال القيادات المحافظة والمتمترسة وراء “قطبيتها”.

ويشير كمال حبيب الخبير في شؤون حركات الإسلام السياسي في هذا السياق، إلى أن المراجعات في المواقف قد تشمل إبعاد التيار المحافظ الذي يقوده خيرت الشاطر عن المواقع القيادية ومراكز اتخاذ القرار، وتصدر التيار الإصلاحي للمشهد خلال الفترة القادمة.

وتابع كمال حبيب قائلا إن جماعة الإخوان في حاجة إلى إعادة هيكلة والتعامل مع الأمر الجديد بمنظور أكثر شمولية ووضوح، ويؤكد أن الحل أمام جماعات الإسلام السياسي لكي تظل موجودة بالساحة السياسية في مصر، هو اللجوء إلى عمل مراجعات فكرية شاملة لطبيعة أفكارهم وأيديولوجياتهم، تقوم على عدم إقحام الدين والتستر وراءه وجعله غطاء لتحركاتهم، وأن تفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي.

ويتطابق رأي كمال حبيب مع ما ذهب إليه العديد من السياسيين المصريين في قولهم إنه يجب أن تعمل الكيانات “الإسلامية” في إطار مؤسسي معلن ومعروف للجميع وليس بتشكيل أجنحة مختلفة والتستر وراء الغموض والتحايل على القانون.

الإصلاحات التنظيمية والمراجعات الفكرية التي تقوم بها الجماعة، تعكس فشل سياسة وإستراتيجية الإخوان خلال الفترة الماضية

وقد أكد الجميع تقريبا على ضرورة حل مكتب الإرشاد وجماعة الإخوان، مع السماح بحرية العمل السياسي وإنشاء حزب مدني يعمل في إطار القانون أو الاكتفاء بالعمل الدعوي.


عبث المراجعات


في تاريخ الثورات، خاصة تلك التي قامت ضد إيديولوجية بعينها، تسعى الأحزاب التي تم إسقاطها من الحكم إلى إعادة التشكل مرة أخرى لإنتاج صورة جديدة عن نفسها تحمل نفس المضامين. وهو ما سارعت إليه جماعة الإخوان المسلمين في مصر (وحتى في أقطار عربية أخرى) بترويجها في الفترة الأخيرة لما تسميه “مراجعات جذرية”. ولا ننسى طبعا أن مثل هذه المراجعات لا تعد الأولى من نوعها، ففي بداية التسعينات تحدث هؤلاء عن مراجعات ديمقراطية ومن قبلها في السبعينات ولكن دون نتيجة تذكر.

ويرى خالد الزعفراني القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، أن المراجعات الفكرية التي تقوم بها الجماعة لن تغيّر من وضعها على أرض الواقع، “فالإخوان انتهوا سياسيا في مصر ولن تقوم لهم قائمة مرة أخرى” حسب قوله.

ويشير الزعفراني إلى أن الإصلاحات التنظيمية والمراجعات الفكرية التي تقوم بها الجماعة، تعكس فشل سياسة وإستراتيجية الإخوان خلال الفترة الماضية، والتي كانت تقوم على المواجهة والصدام مع النظام الحالي ورفض أي حل سياسي.

13