"خذني.. أنا لك" معرض فني باريسي يساوي بين الحاوي والمحتوى

لا يكاد يمر موسم دون أن يخرج علينا هذا المندوب أو ذاك ببدعة في الفن المعاصر، تجد صداها لدى القائمين على الشؤون الثقافية بأحد المعالم الفرنسية التاريخية، ويقابلها أغلب الناس بالاستنكار لـ"تدنيسها" معالم تزخر ببصمات عمالقة الفن من عصر النهضة والقرن الأكبر، آخر هذه البدع معرض عنوانه "خذني.. أنا لك"، يحتضنه حتى نهاية شهر نوفمبر القادم قصر العملة، أقدم المؤسسات الفرنسية بباريس.
الاثنين 2015/10/05
أشياء منذورة للتوزيع والاقتناء والتشتت

منذ أن خرج مارسيل دوشامب على الناس بمَبْولة، وبسلسلة من أشياء عادية أخرى في نطاق ما أطلق عليه “ريدي ميد”، وأنصار الفن المعاصر يتنافسون في استفزاز الذائقة الجمعية بأعمال تستولي على أكثر أشياء الحياة اليومية بساطة وتفاهة، يعرضونها كما هي، ولا يستحون أن يسموها أعمالا فنية، بدعوى أنها تعبير عن موقف ثائر على الفن الأكاديمي وقنواته التجارية والمؤسسات الراعية له.

فبعد حركة “فلوكسوس” التي قامت على رفض المؤسسات ومفهوم العمل الفني، ظهرت تيارات لا تحصى عددا، حتى أن كل عشرية لا تزال تفرّخ إلى اليوم تجارب تتنوع في التقنية وتلتقي تحت لافتة واحدة هي الفن المعاصر، كبوب آرت، وستريت آرت، وفونك آرت، وبيو آرت، وسيبر آرت…

هذه التجارب التي كانت في ما مضى مهمشة، صارت تلقى الحظوة لدى المؤسسات الرسمية، فبعد قصر فرساي الذي فتح قاعاته وفضاءاته لهذا الفن منذ عام 2008 لأسماء مشهورة، من جيف كونس وتاكاشي موراكامي وبرنار فينيه وجوانا فسكونسيلوس إلى جوزيبي بينوني ولي أوفان وأنيش كابور حتى صار تقليدا سنويا، ها هو قصر العملة بباريس يحذو حذوه بإقامة معرض “خذني.. أنا لك”.

والمتكلم هنا هو “العمل الفني” والمخاطب هو كل فضولي جاء يكتشف هذا المعرض الغريب، أو يتماهى مع منظميه في الضحك على الذقون. فالمعرض الذي سبق أن أقيم في سربنتاين غاليري بلندن قبل عشرين عاما، لا يرقى إلى أبسط الأسواق الشعبية، ومعروضاته لا تتعدى الأطمار البالية والمهملات التي يلقيها الباريسيون في أكياس القمامة، ويلتقطها الغجر لبيعها في أسواق شعبية يسمونها سوق البراغيث.
تبذير المال العام دفع بالفنان فريد فوريست إلى رفع قضية أمام المحكمة الإدارية بتهمة تبديد أموال دافعي الضرائب

والغاية، كما يقول كريستيان بولتانسكي مندوب المعرض مع هانس أولريخ أوبريست، هي كسر العلاقة التقليدية بين الفن والجمهور، فالزوار مدعوون بصريح العبارة إلى أخذ قطعة (واحدة عن كل فنان) مما يروقهم من المعروضات مجانا، أو مقابل 2 يورو أو عن طريق المقايضة، وحمله في كيس معدّ للغرض.

وتلك في نظرهم مشاركة تخرج الجمهور من دور المتلقي السلبي إلى المساهم في إنجاز العمل الفني. أي أن المعرض بهذه الصيغة لا يتمّ إلاّ بتفاعل الجمهور، الذي يكافأ على جهده بشهادة مشاركة يسلمه إياها عند المغادرة فرانكو فيكّاري، ويسمح له بترك رسالة يتمنى فيها ما يشاء، تُعلَّق على “شجرة الأماني” ليوكو أونو وضعت عند المدخل.

أربعة وأربعون فنانا عالميا التقوا في هذا القصر الذي أنشئ في القرن التاسع الميلادي ليعرضوا على الناس أشياء منذورة للتوزيع والبعثرة والتشتت حسب عبارة المنظمين. لا ينبغي أن يبقى أي شيء.

كل ما هو معروض ينبغي أن يزول: أقراص إلكترونية لجيلبرت وجورج، أبراج إيفل مصغرة أو مصورة لهانس بيتر فيلدمان، مرسامات للورنس فينر، أقراص رقمية متعددة الاستعمالات تمحى فور قراءتها لفيليب بارينو، كبسولات هوائية ليوكو أونو، حبوب لا يعرف تأثيرها ولا جدواها لكارستن هولر، بطاقات معايدة مطلية بالأسود لهيمان شونغ، بيض ملون لكرستين براتش وسارة أورتماير، صور عظام بطابعة ثلاثية الأبعاد لأنجليكا ماركول، قطع حلوى بالجملة لديليكس غونثاليث توريس إلى جانب “إبداع” بولتانسكي نفسه، المتمثل في أكداس من الثياب المستعملة، ملقاة على بلاطة إحدى قاعات القصر.

المعرض لا يرقى إلى أبسط الأسواق الشعبية، ومعروضاته لا تتعدى الأطمار البالية والمهملات الملقاة في القمامة

يفسر بولتانسكي هذا المسعى الذي بدأه منذ أكثر من عشرين عاما بقوله “أردت أن ألتقي من جديد بأولئك الذين كانوا يبدعون وهم يمرحون. أنا أتألم من حِرفية الوسط الفني، كل شيء صار بالغ الجدية، كان لزاما أن نحتفي بالحرية التي اختفت. والمعرض يستند إلى ثيمات سبق أن استغلها فلوكسوس والدادائيون، أي العطاء والهبة والكرم”. ويضيف “نحن نحطم أحد المحظورات: اللمس ممنوع”.

وهو تبرير لا يقنع إلاّ من تماهى معه في مثل هذا الخور، يقول جان مونريه رئيس صالون المستقلين “في معرض للفن المعاصر، غالبا ما يختلط غمد قناة تهوية ومعدات النجدة وحجر البلاطة بالأعمال المعروضة. والسؤال: أين الأثر الفني إذا تساوى الحاوي والمحتوى؟”، ويدين ما يسميه فن الدولة، ذاك الذي يسير في سبيل واحد ويتعسف في منع الصالونات التاريخية عن خيرة الفنانين.

تبذير المال العام في مثل هذه التظاهرات هو ما دفع الفنان فريد فوريست إلى رفع قضية أمام المحكمة الإدارية ضد مركز بومبيدو وضد الدولة بتهمة تبديد أموال دافعي الضرائب. أما الرسام دانيال بورين فقد رأى في مثل هذه المعارض دليل إفلاس. لم يعد الأمر في رأيه متعلقا بالتاريخ، بل بموضة تتجدد كل يوم. ولفظة “معاصر” لا معنى لها، ولكنها أكثر البدع فعالية لتقتل في المهد كل ما يمكن أن يقدمه الفنان الحق من جدة مُربكة.

16