خذني إلى عالم آخر ولكن اجعلني متأكدا من العودة إلى مكاني

الأحد 2014/10/26
رحلات المغامرة متعة خالصة تلهب الشركات السياحية

برلين - هل تفكر في الغطس في مياه البحر وسط أسماك القرش بالقرب من سواحل جزر الآزور أو تستقل مركبة جليدية تجرها الكلاب في ألاسكا وهما عرضان فقط من التجارب غير العادية المتاحة لقضاء العطلات ويمكن حجزها بسهولة على شبكة الإنترنت، بل إن بعض شركات السياحة تنظم رحلات تأخذ الزبائن على متن غواصة لمشاهدة حطام سفينة تيتانيك الغارقة.

وفي الوقت الحالي لا توجد شركة سياحية تنظم رحلات إلى الفضاء، غير أنه توجد قوائم انتظار تضم الراغبين في القيام بمثل هذه الرحلات في المستقبل مع وجود كثير من الزبائن المهتمين بها من الألمان الذين يعدّون من بين أكثر الجنسيات حبا للسفر في العالم، ويبدو أن تنوع مقاصد سياحة المغامرات آخذ في الاتساع ولكن يبقى السؤال هو هل تحوّل الألمان حقيقة من مجرد الاكتفاء بتناول الشراب على الشاطئ إلى اختيار قضاء العطلات في أنشطة تتسم بالمغامرة وربما يحيط بها الخطر؟

ويطلق خبير السفر هاسو شبودي على الاتجاه لزيارة مقاصد تمضية العطلات التي تمارس فيها أنشطة تتسم بالمغامرة وصف “مخدر الرأسمالية ” ويقول إنها ليست ظاهرة جديدة، وكلمة “مخدر” تمتد جذورها إلى كلمة “الخدر” وترمز إلى البحث عن الجرعة التالية للتأثير المنبّه الذي يعطي الحيوية والنشاط، ويضيف أن هذه الجرعة قد تكون عقارا ولكنها قد تكون أيضا جرعة أثناء العطلة من الأدرينالين وهو هرمون محفز يفرزه الجسم عند الخوف، ويشير إلى أن شركة توماس كوك للسياحة كانت تعرض على الزبائن تنظيم رحلات على صفحة نهر الأمازون على متن جذوع الأشجار عام 1900 وذلك بعد مرور خمسين عاما فقط على مقدم السياحة الحديثة.

واليوم أصبحت سياحة المغامرات ابتداء من ممارسة الألعاب الرياضية التي تشوبها الإثارة والخطر إلى السفر إلى مقاصد غير عادية تجذب قطاعا ثابتا من سوق السفر الألمانية، وأشارت دراسة ميدانية أجراها معهد هامبورغ للدراسات المستقبلية إلى أن ما نسبته عشرة في المئة من الألمان يقضون عطلاتهم في رحلات سياحة المغامرة، ويبلغ عدد الرجال الذين يرغبون في المشاركة في مثل هذه الرحلات ضعف عدد النساء، كما يبلغ عدد الشباب عشرين ضعفا لعدد كبار السن، ويكون المحدد الوحيد هو القدرة على دفع التكلفة، وينفق المواطن الألماني في المتوسط نحو 1270 دولارا في العام على قضاء العطلات، وتتكلف عطلات المغامرة أكثر من هذا المبلغ.

اختيار سياحة المغامرة يعود في أسبابه بين الشباب للرجوع إلى حماس فترة المراهقة، بينما يكون التخلص من الإحساس بالملل هو الحافز بالنسبة إلى كبار السن

وقد بدأت فكرة السفر من أجل الترفيه كظاهرة واسعة خلال العصر الرومانسي في مطلع القرن التاسع عشر، ويقول شبودي إنه مع بدء ظهور الفنادق والمنتجعات الصحية انفصل قطاع من راغبي قضاء العطلات عنها باعتبارها مثيرة للملل البالغ.

ويشير شبودي إلى بداية سياحة المغامرات مع نهاية القرن التاسع عشر، ويقول إنه منذ ذلك الحين أملت التطورات التكنولوجية خطى التغييرات في رحلات المغامرة، ويشير إلى قول البعض إنه سيكون من الممكن تنظيم رحلات إلى المريخ في المستقبل.

ولكن ما هي الأسباب التي تدفع المرء إلى اختيار سياحة المغامرات؟ يعرب شبودي عن اعتقاده بأن السبب يرجع إلى السعي للرجوع إلى حماس فترة المراهقة بين الشباب، بينما يكون التخلص من الإحساس بالملل هو الحافز بالنسبة إلى كبار السن الذين يكونون عادة آمنين من الناحية المالية، ولكن قد تكون ثمة دوافع بسيطة أخرى لهذا الاختيار ففي شباط/فبراير من العام الماضي 2013 أعلن طبيب الأسنان الألماني غوس غال أنه يعتزم أن يكون أول زبون لشركة تنظم رحلات للفضاء، وقال غال إنه يريد أن يكون قادرا على إخبار أطفاله بأن أباهم كان أول من يقوم بهذه الرحلات.

ويرى شبودي أن هذا الدافع ينطبق على متسلقي الجبال، فهم أيضا يسعون إلى تحقيق الشهرة مثل تلك التي حققها إدموند هيلاري فوق قمة إيفرست، والمشكلة الآن أصبحت تتمثل في أنه بات من الصعب تحقيق الوضع “الأول” على الأرض حيث لم تعد ثمة إنجازات كثيرة باقية.

بينما يرى عالم الاجتماع أورليخ رينهارت رئيس معهد هامبورغ للدراسات المستقبلية أن التوجه في رحلة لقضاء العطلة صار أكثر الأشكال رواجا لتحقيق السعادة في ألمانيا، والهدف منها هو تحقيق هدفين هما الاسترخاء والابتعاد عن الحياة اليومية النمطية.

كما أن القيام برحلات سياحة المغامرة يتم ربطه أيضا بتغيرات حديثة يشهدها المجتمع، فيشير رينهارت إلى أن المواطنين لم يعودوا يرون أن شخصيتهم ترتبط بشكل وثيق بوظائفهم أو بنظام حياتهم اليومية ولكن بدلا من ذلك بالأشياء التي يفعلونها

في وقت فراغهم، وهذا يعني أن تمضية العطلات لها معنى خاص يفصح كثيرا عن شخصيات الأفراد، ولم تعد قراءة الكتب في مدينة توسكاني الإيطالية العامرة بالثقافة كافيا.

غير أن كثيرا من الرحلات التي تعرضها شركات السياحة على الإنترنت ليست لها علاقة كبيرة بالسمة الشخصية فهي ترتبط بشكل أكثر بالقوالب القديمة، فيعرض على الزائر الرجل أن يختار بين قيادة حفّار أو دبابة أو سيارة فيراري بينما يمكن أن تشارك النساء في دورة تدريبية على التقاط الصور الفوتوغرافية أو حلقة دراسية حول العطور.

حتى العطلات المزدحمة بأنشطة المغامرات العنيفة بها جانب ناعم يجعل رينهارت يبتسم، فهناك شعار معلن يقول “الغطس وسط أسماك القرش مع تسهيلات في فندق من ذوي النجوم الأربع، خذني إلى عالم آخر ولكن اجعلني متأكدا من العودة إلى مكاني في الوقت المناسب لتناول العشاء”.

17