خذوا الحكمة من أدمغة حميركم

الخميس 2016/01/21

حاورت منذ فترة كاتبا هولنديا من أصل مغربي اسمه محمد بنزاكور حول رواية صادرة له حديثا. الحوار تطرق كعادة أغلب حواراتنا هذه الأيام إلى مواضيع تهم الشأن العام، والإرهاب ووضع الجاليات المسلمة في الغرب، والتحاق الشباب من أوروبا بداعش وغيرها من مواضيع الساعة.

بنزاكور أب لطفل عمره تسع سنوات. سألته: كيف تحمي ابنك من الالتحاق بداعش عندما يصبح مراهقا؟ فقال: أربيه على حب الحيوان. إجابة تبدو للوهلة الأولى كما لو أنها لغرض التهكم أو السخرية، لكن بنزاكور جاد جدا كما اتضح لي لاحقا.

كتاب بنزاكور الأخير يدور حول شاب هولندي من أصل مغربي، يقرر الذهاب في رحلة طويلة ومعقدة إلى المغرب، مسقط رأسه للبحث عن عروس، معتقدا أن هذا ما ينقصه ليكون سعيدا.

وخلال رحلة بحثه في الجبال والمرتفعات وتنقّله بين القرى والمدن بحثا عن المرأة المنشودة، تهدي له جارته المغربية حمارا ليركبه عند التعب ويحمل عليه أغراضه، لكن الحمار يفاجئ صاحبه في إحدى لحظات الاستراحة، بالرد على سؤال كان يطرحه على نفسه. يتضح للشاب أن حماره قادر على الكلام، يعجب بذكائه الحاد ويدخل معه في حوار طويل وفلسفي، حول مفهوم السعادة، الحياة، الأمل، الفقدان.. يتعلم الشاب من حماره كثيرا، تتغير نظرته للأشياء، يصبح أكثر حكمة وتأملا، وتنتهي رحلته بأن يصبح صديقا مريدا للحمار، ليكتشف في النهاية أن ما ينقصه ليس امرأة بل جزيرة نائية يعيش فيها مع حماره بمعزل عن العالم الذي أصبح مشوّها. هذه هي السعادة!

الرواية تبدو لأول وهلة كأنها مكتوبة للأطفال، لكنها ليست كذلك، فهي رواية جادة وعميقة، نالت إعجاب النقاد في هولندا وصنفت ضمن أفضل الإصدارات الأدبية لعام 2015، وتترجم الآن للغات عدة.

بنزاكور فسّر فكرته حول الإرهاب والحيوان قائلا: لا يمكن لإنسان يحب الحيوان أن يصبح مجرما وقاتلا، قلت: لكن هتلر كان يحب الحيوان، وصدام حسين، وموسيليني.. وكثيرون غيرهم؟ فكان جوابه: هذا حب السيد للعبد، القوي للضعيف، العاقل لغير العاقل، الذكي للغبي.. في ذلك تكريس لفكرة التفوق والاستعباد. هؤلاء أحبوا الحيوان الذي يرى فيهم أسيادا، يكرس سلطتهم عليه، الذي يلاحقهم بشمشمته، وتمسّحه، وخضوعه، وحاجته إليهم، لكن ما أقصده بحب الحيوان هو أن نصادق هذا الكائن، وننظر إليه كشريك طبيعي في الحياة، ووريث شرعي للأرض، مثلنا تماما، أن نتعامل معه على أنه مساو لنا، وجوده لا يقل أهمية عن جودنا، مصيرنا ومصيره واحد، ذكي، أذكى منا ربما، ذكاء الفطرة والطبيعة، ذكاء الكينونة المجردة والاستمرار، قادر على العطاء والمعرفة، بإمكاننا أن نتعلم منه الكثير.

من رأى الحيوان على هذا الشكل، رأى الوردة أيضا على هذا الشكل، ورأى العشب والشجرة، ورأى النملة والقطة، شركاء في المصير، أصدقاء وأحبة، وجودهم مكمّل لنا، ووجودنا مكمّل لهم، ليسوا عبيدا لنا، ولسنا أسيادهم، لسنا أفضل منهم في شيء، من رأى الحيوان والطبيعة بهذا الشكل، لن يقتل يوما أو يجرح.

قالها بنزاكور، فخذوا الحكمة من أدمغة أحمرتكم وبغالكم، اتركوا الإنسان على جنب لوهلة، حتى يعود إلى فطرته، وأصله، فقد تشوّه، ولم يعد مصدرا موثوقا فيه للمعرفة.. احموا أبناءكم قبل فوات الأوان.

21