خذوا الحمل واتركوا لنا الجمل

أليس من حق العراقيين أن يثوروا على طبقة سياسية ومعممين وشيوخ عشائر وأحزاب غرقت في الفساد حتى عجزت عن إصلاح نفسها وإجراء الإصلاح الذي طالما وعدت به العراقيين ولم تخط فيه خطوة واحدة.
الجمعة 2018/08/17
إلى متى؟

“من النادر أن تجد مواطنا عراقيا، سواء ممن يقيمون في العراق، أوفي أي مدينة من مدنه أو قرية من قراه، أو ممن تلقفتهم المهاجر، القريبة منها أو البعيدة، إلاّ ويتحدث بكل ألم عن خراب بلاده، ومنهم من يفصح عن يأس من تجاوز هذا الخراب، وآخرون ما زالوا يتوقعون التغيير وينتظرونه”.

وسبب هذا الخراب واليأس من تجاوزه، وعدم حصول الإصلاح والتغيير، كشف عنه روائي عراقي هو علي العذاري وسط جمع حاشد من المتظاهرين في البصرة، بقول يحمل وعيا حادا: إن الفساد تحميه وتضمن استمراريته وبقاءه ثلاثية لعينة هي: شيخ العشيرة والحزبي في العشيرة والمعمم.

ويوضح أنه كتب رواية عنوانها “الجمل وما حمل” استعرض فيها أثر هذه الثلاثية في استمرارية الفساد وبقائه وفي إفقار الناس، فشيخ العشيرة يطلب قتل فلان من الناس مثلا، متعهدا بأنه يُخرج القاتل من السجن ويدفع دية القتيل، والأحزاب تحمي القاتل والشيخ المحرض على القتل، والمعمم يصدر الفتاوى لصالح شيوخ العشائر والأحزاب ليضمن مصلحته.

يقول العذاري، في الكلمة، التي ألقاها في متظاهري البصرة، لو أنهم أخذوا الحمل وتركوا لنا الجمل نحن نتولى إصلاح بلادنا، فالعبادي وسواه من الطبقة السياسية لا يمكن أن يشعروا بمعاناة المواطن، فهو مثلاً، عندما يزور البصرة ينزل في قصور الأثرياء والميسورين، الذين تتوفر لديهم مكيفات الهواء والماء الحلو الصالح للشرب، ولا يمكن أن يزور بيت علي العذاري المثقف، على الرغم من أنه حصل على أكثر من جائزة والذي يقرأ 6 ساعات في اليوم، والذي تشكو له ابنته فاطمة أنها لا تستطيع غسل وجهها بالماء لأنه مالح، مشيراً إلى أن هناك الكثير ممن يتخرجون ولا يجدون فرصة عمل سوی في شركات أهلية، إن وجدوها.

ويقسم أن الماء الذي يستعملونه في البصرة ليس صالحاً للاستعمال البشري، ومع ذلك يحارون هل يستعملونه أو يسقون به الزرع!

ولم يعد خافياً أن الطبقة السياسية التي جاءت بعد احتلال العراق أهدرت في سنوات، مليارات تفوق المليارات، التي أنفقتها الأنظمة العراقية من سنة 1921 حين تأسست الدولة العراقية إلى احتلال العراق سنة 2003، وقد أجملت ذلك النائبة عن التيار الصدري الدكتورة ماجدة التميمي بالأرقام، عندما بينت أن الدولة العراقية أنفقت حتى الاحتلال الأميركي للعراق 220 مليار دولار، فيما أنفقت من سنة 2003 إلى سنة 2018 أكثر من 862 مليار دولار، مبينة أن الـ220 مليار دولار بُنيت بها دولة خلال 97 سنة، فيما هدمت هذه الدولة بمبلغ الـ862 مليار دولار على مدى 15 سنة.

إن هذه المبالغ الطائلة ابتلع الفساد معظمها، وذهب القسم الآخر رواتب ومخصصات وامتيازات للطبقة السياسية في الرئاسات الثلاث، ولحماياتهم المبالغ بها، ولما سموها الخدمة الجهادية، وهي رواتب لأعضاء أحزاب السلطة، الذين لم يثمر جهادهم عن شيء أبداً لأن الأميركان احتلوا العراق وسلموه لهم على طبق من ذهب، ولا ننسى الرواتب الطائلة للاجئي رفحا الذين هربوا إلى السعودية إبان حرب الخليج الثانية، ولمن ادعى أنه كان سجينا سياسيا، ومعظم هؤلاء لم يكونوا سياسيين، بل كانوا من المختلسين والسراق والهاربين من الخدمة العسكرية والمتهمين بجرائم أخلاقية أو اقتصادية.

وهم لم يكتفوا بذلك، بل أطلقوا على أموال العراق في الخارج مصطلح أموال صدام حسين ونظامه، لتسهل عليهم سرقتها.

يقول الدكتور يونس الحاج، على صفحته في فيسبوك “بعد زيارة مسؤول الأمن اللبناني إلى العراق منذ نحو أسبوع، وكشفه عن عصابة عراقية لبنانية مشتركة لسحب ما سمي بـ’أموال صدام في المصارف اللبنانية’ لصالحهم.. أخذ يتردد كثيرا في الإعلام مصطلح ‘أموال صدام في لبنان'”.

يوضح أن الرئيس الراحل صدام حسين لا أموال خاصة له لا في لبنان ولا في أي بلد آخر، وأن الأموال المودعة في البنوك والمصارف اللبنانية هي أموال عائدة ومودعة لصالح الدولة العراقية، ومنذ سنة 2003 ولغاية اليوم تحرك حزب الدعوة وسياسيوه الكبار وباقي الأحزاب والشخصيات الموالية لإيران، لسحب هذه الأموال من تلك المصارف وبمساعدة حزب الله اللبناني ونفوذه، وتمكنوا فعلاً، من سحب بعض الودائع بموجب أوراق مزورة، مستغلين الضعف الأمني وتقديم الرشاوى لأصحاب المصارف اللبنانية، وبعد ازدياد هذه الحالة مؤخراً، في لبنان واشتراك العشرات من العصابات في التزوير لغرض سحب الأموال، شرعت الحكومة اللبنانية بالتنسيق مع الجانب العراقي بشأنها.

 والمشكلة أن الحكومة العراقية أطلقت ومازالت تطلق على هذه الأموال تسمية “أموال صدام ونظامه”، لغاية معروفة، وهي أن لا تنسب إلى الدولة العراقية لتسهل على أحزاب السلطة سرقتها بالتنسيق مع حزب الله اللبناني.

ولو أطلقنا العنان لأنفسنا في إيراد أمثلة على الفساد والتخريب والنهب وأوجه الإنفاق غير المشروعة في العراق لاحتجنا إلى مجلدات ومجلدات، ولكننا نكتفي بهذا القدر، ونسأل: أليس من حق العراقيين أن يتظاهروا، بل أن يثوروا على طبقة سياسية ومعممين وشيوخ عشائر وأحزاب غرقت في الفساد حتى عجزت عن إصلاح نفسها وإجراء الإصلاح الذي طالما وعدت به العراقيين ولم تخط فيه خطوة واحدة؟

8