خذ ما تريد ولا تأخذ الرضع إلى مدارسهم بالجيش

السبت 2014/01/18

يبشر الكثير من الخبراء السياسيين في الولايات المتحدة بتغير السياسة الأميركية حيال ما سمَّته الدول الفاشلة والضعيفة، ويرى معظمهم أن استراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط تغيرت عن ذي قبل مستشهدين بما قيل سابقا على لسان رؤساء ومسؤولين وخبراء أميركيين.

يعيدون إلى الخيال الراهن ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق بوش عام 2002 حول استراتيجيته للأمن القومي من أن “أميركا مهددة بالدول الضعيفة أكثر منها القوية. مهددة أقل بحاملات الطائرات والأسلحة الضخمة، وأكثر بالصغار الذين يحملون في أيديهم تقنيات مخيفة”.

حتى سوزان رايس، وهي ديمقراطية وتُعتبر عراب التغيير في البيت الأبيض الآن، قالت يوما أثناء حكم بوش إن “سياسته حكيمة حين ينبهنا إلى المخاطر العظيمة على أمننا الوطني من دول ضعيفة أو فاشلة”.

ولم ينتظر فرانسيس فوكوياما التقاط نغمة الدول الفاشلة حتى أصدر كتابه “بناء الدول” ليقول إن “الدول الفاشلة والضعيفة أصبحت مشكلة كبيرة تواجه النظام الدولي”. ويتابع فوكوياما إن الدول الفاشلة والضعيفة ليست خطرة فقط باحتضانها للإرهابيين، بل وأيضا بتصديرها للمهاجرين والجريمة المنظمة وما تحمله من أخطار على سلامة البيئة وحتى انتشار الأمراض.

ولم يتورع كبير خبراء التخطيط الاستراتيجي ستيفن كرزنر وشريكه كارلوس باسكال عن التشديد على حقيقة أن الدول الفاشلة والضعيفة في عالمنا المعاصر تمثل خطرا على الولايات المتحدة والعالم، وأنها تشكل تحديا مهما وخطيرا في هذا القرن.

لكن هؤلاء ينسون أن كل ما قيل قد قيل قبله كلام مغاير، فخلال حملته الرئاسية عام 2000 قال بوش الصغير إن سياسة تدخل الولايات المتحدة في بناء الدول الفاشلة والضعيفة هدامة وغير ناجحة. ويتغافلون عمّا ذكرته مساعدته كونداليزا رايس التي أكدت أن “على إدارة واشنطن أن لا تأخذ الرضَّع إلى مدارسهم، ولا تستعمل الجيش لهذه المهمة”. في سخرية من التدخل الخارجي لمساعدة الدول الأخرى.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل طالب ديك تشيني الذي كان مرشحا مع بوش لنيابته، أميركا أن توقف عملياتها في البلقان، لأن هذا تدخل غير قانوني. وأضاف آنذاك أنه قلق من استخدام كلمتي بناء الدول والقوة المسلحة مع بعضهما البعض.

واجهت نظرية الدول الفاشلة ووجوب مساعدتها حتى عن طريق استعمال القوة، مشاكل عديدة، لعل أهمها أن التعريف مضطرب كما يؤكد عالم السياسة تشارلز كال.

أيضا إن أبرز الدول الفاشلة، حسب التصنيف الدولي لبعض مراكز الأبحاث العالمية، لا تحتوي في مقدمتها دولا مصنفة اليوم كونها راعية للإرهاب، بل على العكس من ذلك فهي دول تعاني منه. وهذا دعا عديد الخبراء في العلوم السياسية إلى التصدي لهذه التعريفات، مشيرين إلى وهنها.

في الوقت الراهن، ونتيجة للثمن الاقتصادي الباهظ والنتائج السياسية غير المواتية، أسقطت إدارة أوباما مفهوم التدخل العسكري المباشر في ما يسمى بالدول الضعيفة، واستعانت بسياسة الأبعاد المتعددة، محاولة تخفيف الضغوط الاقتصادية عن كاهلها. الأمر الآخر هو تراجع وقع انتشار العولمة وانغماس الحكومات في أجنداتها المحلية بسبب المشاكل الاقتصادية، وأيضا بسبب انشغال واشنطن بنفسها.

كل ذلك قاد الدول الضعيفة إلى تنفس الصعداء، ومنها سوريا التي رأى حاكمها أن الجو السياسي العالمي يساعده كثيرا. لكن ما لم يفهمه بشار أو غيره أن الاستراتيجيات السياسية تتغير، لكن الأهداف تبقى. يمكن الحصول على نتائج جيدة بطرق أقل كلفة.

يؤكد الخبير السياسي مايكل مازار في بحث له نشر مؤخرا في فورين بوليسي أن مكافحة الإرهاب والحفاظ على المصالح الأميركية ستبقى أولويات أية إدارة أميركية مقبلة، حتى لو انسحبت القوات الأميركية من أفغانستان، لكن الاستراتيجية الأميركية ستعمد على تنشيط العوامل المحلية التي تؤيد استراتيجياتها وتساعد في تحقيق النتائج المرجوة منها.

تقول الاستراتيجية الدفاعية الأميركية لعام 2012 إن واشنطن لن تقوم بعد اليوم بتحريك قوات عسكرية ضخمة لهدف معين، لكنها ستعمد إلى تحقيق الهدف بذكاء وإبداع وكلفة أقل وتعاط صغير البقعة، لكنه عظيم الأثر.

ويستشهد مازار بما حصل من تصدّ للقرصنة في القرن الأفريقي، وكيف أن القوى الإقليمية ساعدت بعضها بعضا دون تدخل قوة كبرى.

يوافق مازار الكثير من الخبراء الأميركيين الذين يؤكدون أن السياسة الأميركية ستركز (وقد بدأت) على تقوية الحلفاء ومنحهم مرونة وقدرات محلية كافية، تمكنهم من مواجهة المخاطر، وهو ما يخلصها، وهو الأهم، من عبء التدخل المكثف والموسع.

وتعمل الاستراتيجية الأميركية، اليوم، على مساعدة القوى الإقليمية الحليفة على التعامل مع الصدمات المحلية، وتحسين استجابتها لحالات الطوارئ وأمن المعلومات وتطوير القدرات المحلية والاستثمار الجيد في إمكانات التصدي للأزمات.

تتضمن الاستراتيجية الأميركية العمل بشكل منسق بين جميع أفرع قواها، الناعمة منها والخشنة، فأي تعامل مع دولة أو أزمة يجب أن يتضمن البناء عبر العلاقات طويلة الأجل، وتضمين كل ذلك في حزمة واحدة، منها المساعدات الاقتصادية وسياسات التدريب والتبادل التنموي، وبرامج تنمية القدرات البشرية، والعلاقات بين القوى العسكرية، وابتكار مجموعة متنوعة من نماذج تناسب الأنماط المحلية لحل الأزمات، أو تطوير العلاقة مع الدولة الضعيفة عبر دمج الاستشارة بالتكشير عن الأنياب. وباختصار سياسة الجزرة والعصا.

الولايات المتحدة ليست جديدة على المنطقة، فكل أنواع العلاقات موجودة، لكن ما ينقصها هو عدم ضمها في حزمة موحدة تدار بأياد ذكية وفي إطار سياسي موحد.

لكن هل هذه الاستراتيجية فعالة وناجحة. ماذا بعد انسحاب الناتو من أفغانستان وخلو أرضها لطالبان، وعودتهم للحكم، وأيضا لاحتضان القاعدة ومساعدتها في عملياتها الموجهة نحو الغرب؟ لا يجد أكثر المخططين والخبراء الأميركيين جوابا، سوى القول سنعمل على ألا يحدث ذلك، وإذا حدث فسيعود جنودنا للقيام بما فعلوه سابقا.

هنا مربط الخيل، ومركز الأزمة. إن كل ذلك الطرح والتحليل والحديث عن التغير في السياسة الأميركية الحالية لا يعني- حقيقة- أن هناك بعدا أو نبذا للاستراتيجيات الأميركية السابقة، ولكن لكل وقت استراتيجيته، ولو أن القاعدة حكمت أفغانستان، وابن لادن اعتلى صهوة قناة “الجزيرة” حاثا أنصاره على فعل المنكر والنكير في الشيطان الأكبر، لامتطى أوباما صهوة جواده، بدوره، وقاد جيوشه لخوض معركة سبقه إليها بوش.

يبرز ذلك في سوريا. المشكلة في سوريا لا تهدد الأمن الوطني الأميركي بشكل مباشر، وبالتالي يمكن توفير حلول غير مباشرة لها، ضمن الاستراتيجية الحالية. لم يسكن في قصر المهاجرين بدمشق رجل من القاعدة، أو موال لها وراح يعلن الحرب على واشنطن ويجهز الخلايا. الذي يسكن هناك رئيس يقاتل شعبه، لذا لا ضرورة لصرف أموال دافع الضرائب الأميركي على قضية يمكن تطويق نتائجها بالتعاون مع روسيا وإيران.

ستظل السياسات الأميركية تدور حول مكافحة الإرهاب، وضمان أمن إسرائيل، وحماية مصدر الطاقة المهم في العالم، ولو بالقوة المباشرة، وغير ذلك له استراتيجيات لا تتضمن التضحية بالاقتصاد الأميركي، عبثا، كما حدث في العراق. وستظل السياسة الأميركية تستخدم مصطلح الدول الفاشلة والضعيفة بازدواجية واضحة، فالدولة الفاشلة هي فقط تلك التي تحتضن القاعدة، أما غير ذلك فحتى ولو انهارت تماما، ولم تبق على أرضها سوى عصابات مسلحة تحمي الحاكم، فهي دولة ضعيفة نوعا ما، لا يهم ما يكون مصيرها المستقبلي، المهم، أميركيا، أن لا يرتبط هذا المصير بالقاعدة. والقاعدة هنا ليست الأنواع المهجّنة في مختبرات طهران وواشنطن ودمشق وغيرها، بل القاعدة التي لم تسرق حقوقها الفكرية واسمها التجاري.

9