خرائط غوغل وخرائط رمضان

الجمعة 2017/06/09

تطبيق خرائط غوغل تمكّن قبل أسابيع فقط من حل مشكلة عاني منها الكثير من مستخدمي السيارات، وأنا منهم، وهي نسيان أين ركنت سيارتك. وقد طورت غوغل خاصية جديدة للمساعدة في ذلك. ولكن الخبر السيء وفقا لموقع “ماشبل” أن النسخة التجريبية من الخدمة متوفرة لمستخدمي هواتف أندرويد فقط، حتى الآن.

وقصة الخرائط قصة وحدها، فمن خلالها يمكنك أن تقرأ لغة أخرى غير اللغة المكتوبة المنطوقة أو اللغة الرياضية. وقد نبشتُ مرّةً في خرائط السجلات العقارية، بهدف قراءة التكوين السكاني الذي تقوله البيانات. فاكتشفت لأول مرة أن أكبر مالك عقاري في المنطقة العربية هو “الأوقاف الإسلامية”. وتمتد ملكياتها لتشمل سكة حديد الحجاز ومعها مبان وقرى وأراض شاسعة، ومن الطريف أن يعرف القارئ الكريم الحشيم أن من بين تلك “الأوقاف” فنادق خمس نجوم وحمامات سوق وملاهٍ ليلية وعجائب وغرائب.

ومن العائلات الملاكة أسرة لالا مصطفى باشا الذي كان واليا على دمشق في القرن السادس عشر. وفي الظروف الكالحة، يطيب تذكر الرجال الظرفاء، ومن بينهم واحدٌ من أحفاد لالا مصطفى باشا. إنه جميل مردم بك صاحب الدهاء والحكمة الذي كتبت الصحافة واصفة إياه بكلمات علي بن الجهم “بديهتُه وفكرتُه سواءُ/ إِذا ما نابَهُ الخَطبُ الكَبيرُ/ وَأَحزَمُ ما يَكونُ الدَهرَ رَأياً/ إذا عَيَّ المُشاوِرُ وَالمُشيرُ”.

وقال عنه الشاعر الكبير بدوي الجبل إنه كان “في ناحية الدين مؤمناً بلا تعصب، وفي ناحية الحكم رجل دولة بلا تحزّب. وكان ذا دهاء، ولكنه الدهاء الرفيع المثقف، وكان يصطنع، عندما يفاجأ بالأمر، سعالاً يستعيده ويكرره، حتى ينفذ إلى ما يريد”.

ومما يروى أن الدنيا كانت رمضان في العام 1945 وكان اجتماع الحكومة حامياً برئاسة فارس الخوري وبحضور مردم بك وزير الخارجية حينها. طال الاجتماع وطال، فلم يعد مردم بك يحتمل التظاهر بالصيام، وكان يعرف أن بقية الوزراء مفطرون سراً أيضاً، فرفع سماعة الهاتف وقال لمن ردّ عليه “الله يرضى عليك يا ابني؛ هات 13 فنجان قهوة للرئيس فارس بك الخوري”، وكان الخوري هو المسيحي الوحيد في الاجتماع.

الرجل الماكر الذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء، لم يكن منغلقاً. صحيح أنه احترم نفسه واعتزل العمل السياسي بعد النكبة، لكنه قبلها كان مبادراً إلى التدخل في القضايا الهامة، حين يجد أن المسؤولية تقتضي ذلك، كما فعل حين ساهم في حل النزاع العسكري ما بين السعودية واليمن في العام 1934. لكنك حين تتلفت حولك اليوم، نادراً ما تجد رجلاً “بديهته وحكمته سواءُ”.

24