خراب الموصل يعيد النازحين العراقيين إلى المخيمات

آلاف من النازحين يعودون إلى الموصل في ظل ظروف إنسانية صعبة ودمار حول المدينة إلى ركام.
الاثنين 2019/08/26
البيت مهدد بالسقوط

الخازر (العراق) – أجبرت الظروف نهاية عيسى، التي نزحت مثل الآلاف من الأشخاص غيرها خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، على العودة مجدداً للعيش مع أطفالها في مخيم للنازحين بعدما وجدت منزلها لا يزال ركاما في الموصل التي تحررت قبل نحو عامين.

لكن رغم استعادة المدينة التي كانت “عاصمة” لتنظيم الدولة الإسلامية منذ نحو عامين ما زال عشرات الآلاف من أهالي المدينة الذين فروا إلى المخيمات غير قادرين على العودة إلى منازلهم.

الكثير من هؤلاء، مثل السيدة نهاية الأرملة العاطلة عن العمل، أكدوا أنهم صدموا عند رؤيتهم الدمار الذي لحق بمناطقهم.

وقالت عيسى (33 عاما) التي ترتدي عباءة سوداء وتضع غطاء أخضر اللون على رأسها، من داخل خيمة متهالكة في حر الصيف بمخيم الخازر الواقع في إقليم كردستان إلى الشرق من الموصل، “بقيتُ عدة أشهر في مخيم للنازحين”.

وأضافت هذه الأم لثماني فتيات، “عندما رَجعت إلى بيتي في منطقة خزرج (في غرب الموصل) وجدتهُ مدمراً بالكامل”. وتابعت ،”اضطررت للعودة إلى مخيم خازر، لأني لا أقدر على دفع تكاليف إيجار منزل”، مشيرة إلى أن “بقاءها في المخيم يؤمن لها ولأطفالها حصة غذائية شهرية”.

وتابعت هذه السيدة التي بدت عيناها محاطتين بهالة سوداء، “نعيش حياة قاسية هنا”، لكنها تدرك أنه ما من خيار غير ذلك.

وما زال أكثر من 1.6 مليون نازح في عموم العراق، بينهم قرابة 300 ألف من أهالي الموصل، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة.

وتعيش الغالبية العظمى من هؤلاء في مخيمات قدمتها منظمات إنسانية، وتتوزع أغلبها في محافظة نينوى كبرى مدنها الموصل حيث تتوفر مدارس ومراكز تدريب وعيادات طبية ومحال تجارية وملاعب كرة قدم وصالونات للحلاقة.

وتفتقر مناطق كثيرة إلى هذه الخدمات خصوصا في نينوى بسبب الدمار الذي تعرضت له خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

يتحدر غزوان حسين (26 عاما) من قضاء سنجار الواقع غرب الموصل واجتاحه تنظيم الدولة الإسلامية قبل خمس سنوات. وقد اضطهد الأقلية الأيزيدية التي تعيش هناك واتخذ من نسائها سبايا.

ظروف معيشية صعبة
ظروف معيشية صعبة

هرب هذا الشاب مع عائلته قبل تحرير بلدته من سيطرة الجهاديين عام 2017، ليلجأ إلى مخيم خازر، إلا أن مرض ابنه أجبره على “بيع ما أملك من أشياء بسيطة لأتمكن من إجراء عملية جراحية لابني الصغير”.

وأضاف “عدت إلى سنجار على أمل أن تتحسن الأوضاع، لكني وجدت بيتي مهدما وغير صالح للسكن والخدمات ضعيفة” هناك.

وتابع فيما جلس ابنه بين أحضانه، عند خيمتهم “بعدما عالجت ابني، اضطررت للعودة إلى المخيم”.

وتساءل هذا الشاب وهو أب لأربعة أطفال، “هل يعقل أن نبقى في مخيم دون عمل، كأننا في سجن منذ ثلاث سنوات، نأكل وننام  دون أمل في تحسين أوضاعنا والعودة إلى الديار؟”.

وتغادر نحو 25 عائلة يوميا منازلها المدمرة في نينوى للعودة مجددا إلى مخيمات النازحين بحثا عن خدمات أفضل، وفقا لمكتب دائرة الهجرة والمهجرين في المحافظة.

ويقول رئيس المكتب خالد إسماعيل، “شاهدنا على مدار الـ18 شهرا الماضية ‘هجرة عكسية’؛ عودة إلى المخيمات أو إلى إقليم كردستان” المحاذي لنينوى.

ويرى هذا المسؤول أن “أسباب النزوح العكسي مختلفة، وفقا للمناطق، منها ما يتعلق بالأوضاع الأمنية أو الظروف المادية والمعيشية أو عدم صلاحية دور العائلات المهدمة للسكن”.

وعادت نحو 72 ألف عائلة إلى محافظة نينوى منذ نهاية المعارك وطرد تنظيم الدولة الإسلامية نهاية عام 2017.

كثيرون عادوا إلى الجانب الشرقي من الموصل الذي بقي على حاله عند نهاية القتال ووجد السكان الذين عادوا المحال التجارية والمطاعم وأعادوا فتحها من جديد.

لكن الأمر ليس كذلك في المدينة القديمة في غرب الموصل حيث ما زالت تلال من الأنقاض تقطع طرقا وتعزل منازل مدمرة تقبع تحتها قذائف ومتفجرات وبقايا صواريخ وجثث متفسخة.

وتقول المنظمة الدولة للهجرة، إن ما يقارب 30 ألفا من العائدين إلى الموصل يعيشون ظروفا صعبة بسبب الدمار الذي لحق بالمنازل والمدارس والمباني العامة، وهو العدد الأكبر من أي مكان في العراق.

ورغم ذلك، تُجبر العائلات الفقيرة اليائسة على تحمل كل ذلك والعودة إلى العيش هناك.

بين هؤلاء صبيحة جاسم الأرملة المسنة التي عادت إلى العيش مع ابنها وأحفادها الثلاثة في بيتهم الذي تعرض لدمار شبه كامل، ويقع في منطقة الجامع الكبير وسط المدينة القديمة.

وتقول هذه السيدة (61 عاما) التي ترتدي ملابس بسيطة بلون أخضر وتضع غطاء رأس بنيا، “لم نتمكن من مواصلة دفع إيجار البيت في أيسر الموصل”. وتضيف “عدنا إلى بيتنا رغم أنه غير صالح للسكن لتعرضه لقصف وانهيار غرفته العليا وتشقق جدرانه التي تتساقط منها مياه الأمطار في الشتاء”.

وتتابع وهي تتحرك بصعوبة بالغة “ليس بيدنا حيلة إلا السكن فيه (…) البيت خطر علينا وقد يتهاوى سطحه وجدرانه المهدمة” التي تنتشر عليها آثار الرصاص والذباب. وقالت بحسرة “ما نعيشه ليس حياة”.

20