خراج العام الأول من عهدة بوتفليقة الرابعة.. الأزمة أضحت أزمات

الثلاثاء 2015/04/21
رموز النظام متشبثون ببقاء بوتفليقة في السلطة رغم مرضه خوفا على مصالحهم لا على مستقبل الجزائر

الجزائر - يتواصل الجدل الحاد بين مكوّنات المشهد السياسي الجزائري، بعد انقضاء السنة الأولى من الولاية الرابعة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، بين مُشكّك في قدرة هذا الأخير على القيام بمهامه وتسيير دواليب الحكم، ومُتمسّك به باعتباره “صمام أمان لوحدة البلاد واستقرارها”، وفق تعبير أصحاب هذا الموقف، مما ينبئ بإمكانية اندلاع أزمة سياسية في الجزائر، في الوقت الذي بدأت فيه ملامح الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد تزداد وضوحا وحدّة.

ترتفع اليوم، بعد مرور السنة الأولى من العهدة الرابعة للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، أصوات عديدة منادية بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة تنقذ البلاد من وضع كارثي يُمكن أن يؤدي إليه تعنّت القائمين على القرار في الجزائر، في وقت بدأت تتشكل فيه ملامح أزمة اقتصادية وسياسية حادّة ومتعدّدة الأوجه، الثابت أنه ستكون لها انعكاسات سلبية على مستوى المعيشة والوضع الاجتماعي عموما، لن يقف الجزائريون إزاءها مكتوفي الأيدي.

وكانت الجزائر قد شهدت في 17 أبريل 2014 انتخابات رئاسية أثير حولها أكبر جدل في تاريخها السياسي، عندما تقدم بوتفليقة الذي يبلغ من العمر 77 عاما، للسباق الانتخابي وفاز بولاية رابعة بأكثر من 80 بالمئة من الأصوات رغم وضعه الصّحي الصّعب بعد تعرّضه لجلطة دماغية في أبريل 2013 أفقدته القدرة على الحركة وممارسة نشاطه الرئاسي بشكل عادي، وحتّى على إلقاء خطابات أمام مواطنيه، رغم أنّ المحيطين به حرصوا على أن يظهر في التلفزيون الحكومي بشكل مستمر، وهو يستقبل مسؤولين في الدولة وضيوف أجانب.

أزمة اقتصادية وسياسية

تقود كل المؤشرات الاقتصادية وما تبعها من انعكاسات اجتماعية في الجزائر، إلى حقيقة مفادها أنّ الأوضاع المعيشية للمواطنين تراجعت إلى مستويات سلبية في ظل تنامي درجات الاحتقان والرفض للسياسات التي تتبعها الدولة منذ عقود، والتي تقوم بالأساس على إيجاد حلول ظرفية هدفها الأساسي يتعلق بـ”شراء السلم الاجتماعي” بالتعويل على عائدات المنتوجات الطاقية (غاز ونفط) دون الاعتماد على تخطيط تنموي دائم يضمن استمرارية المداخيل والامتيازات ويؤدي بالضرورة إلى تثبيت عوامل الاستقرار.

سياسة شراء السلم الاجتماعي التي تتبعها الدولة أضحت مهددة بحكم تراجع أسعار النفط وتزايد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية
وقد أضحت هذه السياسة التي تتبعها الدولة، مهددة بدورها، بعد مرور سنة على تجديد الولاية للرئيس بوتفليقة “العاجز عن أداء مهامه بفعل المرض، بحكم تراجع أسعار النفط وتزايد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية”.

وكانت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية قد قالت، منذ أيام، في مقال يحمل عنوان “اقتصاد الجزائر متعطل بعد مرور سنة على إعادة انتخاب بوتفليقة”، “إنه على الرغم من تهديدات الجماعات الجهادية، والاحتجاجات بشأن الغاز الصخري غير المسبوقة بالإضافة إلى الصراع السياسي الداخلي، إلاّ أنّ كل هذه الأمور يبدو أنّها لا تهزّ الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة المريض الذي مرّت سنة على إعادة انتخابه رئيسا للجزائر للمرة الرابعة”.

وأضافت الصحيفة أنّه في ظرف سنة واحدة، فقد برميل النفط الخام ما يقرب من 60 بالمئة من قيمته، ممّا أثر على الاقتصاد الجزائري لدرجة أنّ صندوق النقد الدولي قد أعاد النظر في توقعاته للنمو الاقتصادي للجزائر لهذا العام، حيث يشعر صندوق النقد الدولي بالقلق إزاء اتساع العجز في الميزانية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم.

ولفتت إلى أنّ قرار الحكومة الجزائرية القاضي بالحد من فاتورة استيراد ضخمة تصل إلى 60 مليار دولار في العام المنصرم، يثير مخاوف الكثير من الاقتصاديين في الجزائر، لأنّ ذلك قد يضع الحكومة أمام صعوبة الاستمرار في توزيع المعاش من خلال دعم السلع الأساسية، والصحة، والإسكان وغير ذلك من حاجيات المواطنين الأساسية.

ومن الناحية السياسية ترى الصحيفة أيضا أنّ الأمر لا يبدو أحسن حال، حيث تدور صراعات داخلية قوية بخصوص سيناريوهات خلافة الرئيس بوتفليقه وتوزيع السلطات في المستقبل.

علي ذراع: الأصح هو أن تطالب المعارضة بتغيير سلمي للنظام الحاكم كله

وتأتي هذه المستجدات في ظل عجز السلطات عن إسكات الاحتجاجات العديدة ذات الخلفية الاجتماعية، في بلد طالما ردّد المسؤولون فيه أنّه ينام على بحر من النفط في حين أنّ الفئات الضعيفة فيه تعيش وضعا صعبا، ممّا ينبئ بأنّ تكاتف الاقتصادي والاجتماعي قد يؤدي إلى تأجيج الاحتجاجات والأوضاع أكثر فأكثر.

وعلى الصعيد السياسي كذلك، انتقلت أغلب أطياف المعارضة الجزائرية خلال هذه السنة من التشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة بدعوى حدوث “تزوير للأصوات” و”انحياز من مؤسسات الدولة” لبوتفليقة، إلى رفع مطلب تنظيم انتخابات رئاسية مبكّرة لأنّ “الوضع الصحي للرئيس يمنعه من ممارسة مهامه كاملة بشكل أثّر على سير مؤسسات الدولة”.

وتبنّت هذا المطلب “هيئة التشاور والمتابعة للمعارضة”، وهي أكبر تكتل معارض في البلاد يضم رؤساء حكومات سابقين على غرار علي بن فليس، منافس بوتفليقة الأشرس في الرئاسية الماضية، بالإضافة إلى عدّة أحزاب من كافة التيارات السياسية، إلى جانب شخصيات مستقلة وأكاديميين.

وفي المقابل، تعتبر الأطراف الموالية للنظام، ممثّلة في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، وشركاؤه في الحكومة، أنّ “استمرار الرئيس في الحكم يشكل صمام أمان لوحدة واستقرار البلاد في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة”، متعلّلين بـ”أنّ الجزائريّين انتخبوا بوتفليقة لولاية رابعة رغم ظهوره يوم الانتخابات وهو على كرسي متحرك”.

وكانت السنة الأولى من الولاية الرابعة للرئيس الجزائري حافلة بالجدل السياسي بين المعارضة والسلطات الحاكمة بشأن عدة ملفات، وفي مقدمتها المشروع الحكومي لاستغلال الغاز الصخري في الجنوب، والذي خلّف احتجاجات كبيرة رافضة له بدعوى خطره على البيئة والمياه الجوفية، ووصولا إلى ملف تعديل الدستور الذي يسود غموض كبير بشأن مصيره حاليا، رغم أنّ بوتفليقة كان قد أعلن عن مشروع التعديل سنة 2011، فيما أعلنت المعارضة رفضها له كونه “غير توافقي”.

وشن بوتفليقة، في رسالة وجّهها للجزائريين في شهر آذار الماضي، هجوما غير مسبوق على المعارضة، بقوله “أصارحكم وأقول لكم إنني متوجّس خيفة ممّا قد يُقدم عليه من منكرات أناس من بني جلدتنا اعترتهم نزعة خطيرة إلى اعتماد سياسة الأرض المحروقة في مسعاهم للوصول إلى حكم البلاد حتّى ولو كان ذلك على أنقاض دولتنا وأشلاء شعبنا”.

وردت شخصيات وأحزاب معارضة على هذه الرسالة بالتأكيد على أنّها “كُتبت من قبل أطراف في السّلطة من دُون علم الرئيس، بشكل يؤكد واقعية مطلبنا بضرورة الذهاب إلى انتخابات مبكّرة لانتخاب رئيس جديد للبلاد”.

احتجاجات كبيرة رافضة لمشروع استخراج الغاز الصخري بالجنوب

تغيير النظام مطلب أشمل

يقول المحلل السياسي والكاتب الصحفي الجزائري، علي ذراع إنّ “حديث المعارضة بخصوص أنّ مرض الرئيس بوتفليقة أثّر على سير أمور الدولة غير دقيق، والأصحّ هو أنّ النظام الجزائري يسير منذ نيله الاستقلال سنة 1962 بتوازنات داخلية بين أجنحته المختلفة من أجل إصدار القرارات المصيرية، وليس بقرارات الرئيس فحسب”.

وأضاف “أنّ المعارضة ترهن مشروعها بتغيير الرئيس فحسب، ممّا يعني أنه لو لم يكن هناك رئيس مريض ستقبل بالنظام الحاكم، وهذا خطأ. فالأصح هو أن تطالب بتغيير سلمي للنظام الحاكم كلّه، وفق قواعد جديدة ودستور يضمن الفصل بين السلطات والحريات الفردية والجماعية”.

ويرى بشير بودليل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، من جهته، أنّه لو تم تلخيص حصيلة السنة الأولى من الولاية الرابعة للرئيس بوتفليقة، ستكون في الكلمة المناسبة التي تصف تلك الحصيلة هي “الجمود”، لأنّ “لا شيء ممّا وعد به خلال أداء اليمين الدستورية تحقّق، وخاصة وضع دستور توافقي للبلاد”.

وأضاف بودليل “أنه وعلى الرغم من أهمية الدستور إلاّ أنّ الكل يعلم أنّ الجزائر حاليا ليست بحاجة إلى دستور بقدر ما هي بحاجة إلى فتح حوار شامل مع كافة الفعاليات وإجراءات تهدئة من قبل السلطة قبل الوصول إلى دستور توافقي يضمن حدوث تغيير حقيقي لنظام الحكم”.

ووفق بودليل فإنّه “حتى المعارضة في الجزائر ما زالت لا تحظى بشعبية كبرى، لأنها لم تبن علاقات وطيدة مع العمق الشعبي بشكل يجعلها قادرة على التجنيد”.

وأوضح أنّ “المحصّلة أنّ الجزائريين يريدون معارضة بوجوه جديدة إلى جانب تغيير النظام الحاكم، وهو أمر يتطلب وقتا؛ كونهم مجمعون على الحفاظ على ضرورة استقرار البلاد بالنظر للمآسي التي حدثت في دول عربية بعد سقوط أنظمة حاكمة”، في إشارة إلى موجات ما سمّي بـ”الربيع العربي” التي لم تكن الجزائر بمعزل عنها.

ويرى مراقبون أنّ حالة الوهن التي تبدو عليها المعارضة إنّما تعود بالأساس إلى الممارسات التي ينتهجها النظام تجاههم، والتي تقوم على مبدأ التضييق على الأنشطة وتشويه صورة المعارضين لدى الرأي العام الجزائري، باعتماد مقولات “التخوين” و”العمالة” واتهامهم بالارتهان إلى دوائر خارجية تتربص بأمن الجزائر ولا تحب لها الخير، في حين أنّ أغلب المتابعين يقرّون بأنّ غالبية الجزائريين واعون بحقيقة هذا النهج الذي تسير وفقه السلطة، وهو ما يشكل لديهم وعيا أشمل بضرورة تغيير النظام ككل بدل الحديث عن انتخابات رئاسية مبكرة.

6