"خراشو".. مصر وروسيا والأحضان الدافئة.. تقارب يزعج الأميركان

الأربعاء 2013/12/11
زيارة وزير الخارجية لافروف إلى القاهرة تعد نقطة تحول تاريخية

عندما رفضت واشنطن بيع سلاح لمصر عام 1954 ثم سحبت تمويل السد العالي، دخل الروس (السوفييت في حينها) على الخط وتمتعوا بنفوذ كبير لدى صانع القرار المصري الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي استطاع بناء الجيش الذي حارب في أكتوبر 1973 بسلاح روسي الصنع وكانت المرة الثانية التي ينتصر فيها السلاح الروسي على الأميركي بعد هزيمة باكستان، حليفة أميركا، أمام الجيش الهندي الذي يستخدم الأسلحة الروسية في 1971.

ثم طرد السادات الخبراء السوفييت من مصر عام 1972 قبل حرب أكتوبر حتى لا ينسب إليهم فضل الانتصار أو مرارة الهزيمة لسلاحهم الذي كان في اختبار صعب أمام التفوق التكنولوجي الأميركي الذي أتاح التفوق النظري والنوعي لإسرائيل إلى أن أثبتت المعارك أن المقاتل أهم من السلاح.

ودخلت الولايات المتحدة تحالفا استراتيجيا مع مصر تخلله توقيع كامب ديفيد أول اتفاق سلام بين العرب وإسرائيل عام 1979 واستتبع ذلك برنامج المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية لمصر وإسرائيل التي ظلت لا تمس حتى نهاية عصر مبارك. وعندما سقط القناع عن المؤامرة الأميركية الإخوانية على مصر، جمدت واشنطن المساعدات العسكرية لمعاقبة من قاموا بما أسمته واشنطن انقلابا على الشرعية المنتخبة لأول مرة في دولة عاشت في ظل ديكتاتورية استمرت 60 عاما، رغم أن واشنطن كانت المستفيد الأكبر من حكم السادات ومبارك.

ومرة أخرى جاء دور الروس ليستعيدوا نفوذا فقدوه ويملؤوا فراغا لم يشعر الأميركيون بأهميته لهم إلا بعد أن تبخر أمام إرادة فولاذية للمصريين وجيشهم.

علقت في أكثر من مدينة مصرية صور بوتين إلى جانب الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، مصحوبة بعبارة "باي باي أميركا"، وذلك في إشارة واضحة إلى الدور الروسي الإيجابي في الأزمة المصرية من وجهة نظرهم

زيارة وزير الدفاع الروسي، سيرجي شواجو، ووزير الخارجية، سيرجي لافروف، للقاهرة في منتصف نوفمبر الماضي، وهي التي أعقبت زيارة مدير المخابرات الروسية الجنرال فيكسلاف كوندراسكو في 28 أكتوبر تعد نقطة تحول تاريخية لا تنسى واستئنافا (رسميا) لمسار العلاقات المصرية/الروسية الطبيعي، والذي كان توعّك منذ سنة 1972 بقرار خروج الخبراء والمستشارين العسكريين الروس، وبدأت العملية السياسية التي كانت قيادة السادات ترى أن 99% من أوراقها في أيدي الأميركان.


نهايته..


جرى ما جرى طوال الطريق منذ وضعت الحرب أوزارها، ووجدنا أنفسنا في أسر علاقة أحادية مع قطب واحد في علاقاتنا الدولية هو الولايات المتحدة الأميركية، ولم يشعر البعض بخطورة ذلك الوضع طالما توافقت المصالح مع واشنطن، كما كان تدهور أحوال الكتلة السوفيتية ثم سقوطها سببا في شعور البعض بأن رهانه الأميركي كان صحيحا. ولكن الاتحاد الروسي لملم نفسه سريعا، وانطلق متخففا من إنفاقه المجهد على عدد من الجمهوريات استقلت الآن، وبنى اقتصادا رائعا تسانده قدرات تقنية وعلمية مذهلة، وثروات طبيعية هائلة من البترول والذهب والفحم، وصار – من جديد – قوة صاعدة مدهشة.


مصادمات


مضت بنا الأيام وتحكّمت واشنطن في إرادة القاهرة إلى درجة رفضها أن نجدد توربينات السد العالي من روسيا، واشترطت أن نجددها من وستنجهاوس الأميركية، وهكذا فعلت واشنطن مرة أخرى حين ألحت على أن تشتري مصر محطاتها النووية المزمع إقامتها من الولايات المتحدة أو كندا، وهو ما تملصنا منه الآن بالتعاقد مع بعض المحطات الروسية والتخلص من أسطورة تشيرنوبل، الذي كان استثناء من كل قاعدة.

وخلال العلاقة بين مصر وأميركا، والتي بدت بطة عرجاء كان الرئيس حسني مبارك – وهذا أمر ينبغي علينا (أخلاقيا ووطنيا) أن نسجله له – يقاوم التدخل الأميركي الذي يتقاطع مع محددات الأمن القومي المصري سواء بطلب واشنطن أن تشارك مصر في عملية غزو العراق أم بسعيها إلى أن تكون لها قواعد في رأس بناس والسلوم أو مواضيع أخرى عديدة، وفي كل من التضاغطات أو التصادمات المصرية/الأميركية.

إن بعض المستكبرين الخرقاء في واشنطن يهدّدنا بقطع المعونات العسكرية الأمر الذي– بالفعل – يجرح كبرياءنا كمواطنين في بلد استما زعماؤه منذ 1952 في أن يجعلوه حرا.

وكثيرا ما كنا نسترجع ذكريات صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، ثم بدء التسليح من موسكو وبكين باعتباره تحريرا للإرادة الوطنية. إلا أن الأمر لم يكن سهلا. فقد راحت الولايات المتحدة تبني – في مصر – شبكة مخيفة من العملاء والجواسيس، كما بدأت عمليات تمويل ضخمة (من أموال محسوبة على أنها معونة أميركية) لمنظمات أهلية دون علم أو استئذان الحكومة المصرية أو هو ما كشفته – بجسارة رائعة – الوزيرة فايزة أبو النجا في معركة لا تنسى. وبدأت واشنطن في تدريب كوادر المنظمات المصرية التي تمولها، أو تلك الأميركية التي أنشأت لها فروعا في مصر، ليتعلموا عملية تفكيك النظام.

واللافت أن هناك تصريحات للرئيس فلاديمير بوتين في أعقاب الانتخابات الروسية يشير فيها إلى دور أميركي هدام بواسطة منظمات مجتمع مدني وكوادر روسية مدربة في الخارج لهز استقرار روسيا. يعني نفس السيناريو دار على ضفاف الفولجا كما على ضفاف النيل. ولكن الفارق يكمن في طريقة المعالجة، فقد اصطدم بوتين (علانية) بذلك السيناريو الذي صممه وأبدعه جورج سورس ومنظماته (كما كتبت منذ أربع سنوات في صحيفة الجمهورية المصرية)، وطارد وقاتل عناصر الإرهاب في الشيشان بينما لم نبدأ – نحن – معركتنا الحقيقية مع منظمات المجتمع المدني العميلة إلا في عهد فايزة أبو النجا، وبعد انفجار مؤامرة يناير 2011 في وجه الوطن، كما لم نطارد عناصر الإرهاب إلا بعد أن انتزعوا الحكم (بتزوير الانتخابات الرئاسية وتهديد المجتمع بالدماء والقتل إذا جاءت نتيجة الانتخابات بغير ما يريدون).. وبعد أن تمكنوا من مؤسسات الدولة، وأهدروا سيادة الوطن وأراضيه.

خطر المتطرفين يعيد العلاقات المصرية الروسية

وخرج المصريون بعشرات الملايين للإطاحة بحكم التخلف والتطرف والجمود والرجعية في ثورة 30 يونيو الأسطورية، ويبدؤون استعدال شكل نظامهم السياسي والعلاقات الثنائية الدولية التي تربطهم بعدد من دول العالم تناغما مع توجه الفريق أول عبدالفتاح السيسي نحو تحقيق الاستقلال الوطني حين تحدى الإرادة الأميركية وأسقط مشروع الشرق الأوسط الكبير وعلم من شاء أن يتعلم أن في مصر رجالا. ومنذ ذلك الحين بدأ فصل جديد في التقاء الأشقاء في موسكو والقاهرة بالأحضان، وهو ما أحاول رصده وتحليل دلالاته في السطور القادمة:

أولا: إن زيارة مدير المخابرات العسكرية نائب وزير الدفاع الروسي فيكسلاف كوندراسكو كانت لدراسة محددة حول التعاون في مجال مكافحة عملية التجسس والإرهاب الإلكتروني والتصدي للجماعات المتطرفة وبحث وإمداد وسائل الكشف عن المتفجرات، يعني – بالعربي – سيكون هناك تعاون بين مصر وروسيا في المجالات الأمنية ومكافحة الإرهاب، وبالذات من خلال صور الأقمار الصناعية والأجهزة المتقدمة، بالإضافة إلى تبادل الخبرات سواء الروسية (في مطاردة إرهابيي الشيشان) أو المصرية (في قاعدة المعلومات الهائلة لدى مباحث أمن الدولة التي أصبح لها اسم آخر لا أذكره وربما لا أعرفه) والمخابرات العامة والمخابرات الحربية. ولكن المؤسستين (العسكرية والسياسية) في مصر وروسيا كانتا متحفظتين – إلى حد بعيد – في الحديث عن أمور "التسليح"، إلا أن كل المؤشرات أفادت بأن هناك شيئا ما حدث في ذلك الإطار، وبالذات مع ما تواتر من أنباء فتح السعودية والإمارات حساباتها البنكية أمام روسيا لسد الفجوة التسليحية التي استولدها قطع المعونة العسكرية الأميركية.

ثانيا: جاءت زيارة الجنرال فيكسلاف كوندراسكو مقدمة لسلسلة من زيارات المسؤولين الروس، أولها ما أعلنته وكالات الأنباء الروسية عن زيارة وزير الدفاع سيرجي شواجو في منتصف نوفمبر ثم زيارة أخرى لوزير الخارجية سيرجي لافروف، وربما زيارة للرئيس فلاديمير بوتين في ختام تلك السلسلة التي تجاوبت مع رأي عام شعبي مصري جارف تمثل في وفود الدبلوماسية الشعبية التي كان عبدالحكيم جمال عبدالناصر وثروت الخرباوي وعزت العلايلي ومحمد سلماوي وجمال زهران بعض نجومها.

20 مليار دولار قرض قدمته روسيا مؤخرا لمصر لسد العجز المتفاقم في الموازنة العامة للدولة الذي وصل حوالي 190 مليار جنيه

وقبل تلك الوفود رفعت الجماهير – خلال ثورة 30 يونيو الأسطورية – صور فلاديمير بوتين إلى جوار الزعيم جمال عبدالناصر في ميدان محطة الرمل وسيدي جابر بالإسكندرية. ولعها المرة الأولى – خلال عقود – التي يحدث فيها مثل ذلك التطور في إحدى علاقات مصر الدولية من خلال موجة شعبية غلابة، ورغم أن العلاقات المصرية/الروسية (بدأت قنصليا عام 1784 وانطلقت دبلوماسيا بفتح السفارات في 26 أغسطس 1943) حفلت بالعديد من مظاهر الصداقة والتفاعل الشعبي تاريخيا سواء بإسهام الروس في مشروع الألف مصنع وبناء السد العالي زمن الزعيم جمال عبدالناصر أو بتقديمهم الخبرات الفنية لوزارة الثقافة لتأسيس الفرق القومية للفنون (باليه القاهرة – أوركسترا القاهرة السيمفوني – والفرقة القومية للفنون الشعبية) لا بل وتلامسنا مع إبداعات الروس بزيارة باليه البولشوي (الذي لم يكن مسموحا بخروجه من الاتحاد السوفيتي) لدار الأوبرا المصرية القديمة، كما جاء إلى القاهرة الشاعر الروسي الكبير إيجيفني يفتشنكو وألقى أشعاره الرائعة في قاعة الشعب بالاتحاد الاشتراكي العربي الذي احترق وقت يناير 2011.


هدية روسيا


تفاعل الشعبان على نحو مدهش، وسمعنا عن الخبراء الطيارين الروس وقد سالت دماؤهم على رمال الصحاري المصرية، وغيرهم ممن أسهموا في عملية إعادة بناء القوات المسلحة التي قادها الفريق أول محمد فوزي بعد يونيو 1967، وفتحت أكاديمية فرونز العسكرية أبوابها لمئات من الضباط المصريين ليدرسوا العلوم العسكرية والإستراتيجية.

وكان أحد الضباط المصريين الذين درسوا هناك حسني مبارك الذي صار – فيما بعد – قائدا للقوات الجوية وأحد أبطال الحرب في مصر (بصرف النظر عن مستوى إدارته للدولة في السنوات الخمس التي انتهى بها حكمه وكان ختامها سقوط النظام أمام المؤامرة الأميركية – التركية – القطرية – الحمساوية – الإخوانية). ولذلك كان استئناف زخم تلك العلاقات طبيعيا حين تتوافر الظروف الإقليمية والدولية، ولذلك – أيضا – لم أستغرب منظر صور بوتين العملاقة على بنايات الإسكندرية التي طالما رست فيها البوارج والمدمرات الروسية وفقا للتسهيلات التي منحتها القاهرة لموسكو والتي أوصلتها إلى المياه الدافئة (حلم روسيا منذ القيصر بطرس الثالث وحتى الآن) وكان ذلك كله انعكاساً لموقف بوتين الرائع من ثورة 30 يونيو ومنذ بداياتها الباكرة.

ثالثا: هناك جانب مهم في العلاقات المصرية/الروسية وهو الاقتصاد الذي لا يقتصر على شراء القمح (بالمناسبة منحتنا موسكو عشرات الآلاف من أطنان القمح كهدية تعبيرا عن دعمها وتأييدها لثورة يونيو) ولكنه يشمل الصناعات (ونحن نعرف أن مصر أيام مبارك وفي ظل "فلفصة" الرجل من آن إلى آخر من أميركا وقعت ثمانية بروتوكولات للتعاون الصناعي والتجاري). ثم إن روسيا ستكون حاضرة في عدد آخر من الملفات لا يستهان به، ربما واحد من أهمها هو السياحة الأمر الذي أكده سفيرها في القاهرة سيرجي كيربتشينكو.

رابعا: على المستوى الأمني الإقليمي نحن نعرف أن إسرائيل/نتنياهو هرعت إلى دعم علاقاتها مع روسيا، لأنها تعرف أن أميركا ورئيسها المتخاذل باراك أوباما إلى أفول، وأن أزمات كبرى تلوح في الأفق الأميركي. وهذا لا ينبغي أن يزعج خطط مصر لفتح الطريق إلى موسكو، لا بل ربما تكون تلك العلاقة الإسرائيلية/الروسية في صالحنا إذ أحسنا بناء آلية لاستغلالها وهو الأمر الذي لم تمكننا واشنطن منه أبدا في إطار العلاقات الأميركية/الإسرائيلية.

"خراشو" (أي حسنا بالروسية) فإن العلاقات المصرية/الروسية في منعطف كبير، وستتطور إلى آفاق تزعج الأميركان كثيرا وتؤلمهم كثيرا، في نتيجة رائعة أخرى لثورة 30 يونيو الأسطورية.


* رئيس تحرير صحيفة الجمهورية سابقا – مصر

7