خرافة اسمها "صراع الأجيال" في عصر الإنترنت

“صراع الأجيال” لافتة قديمة يندرج خلفها كل ما يظهر من نزاعات بين أب وأبنائه، أو بين أستاذ وتلاميذه، فجيلا بعد جيل وعقدا بعد عقد تتعالى احتجاجات أجيال شابة على الأجيال التي سبقتها، وتظهر أفكار جديدة بلافتات جديدة وشعارات مستحدثة لكل جيل، مثل “جيل القرن العشرين”، أو “جيل التلفزيون”، ثم “جيل الإنترنت”، وأخيرا “جيل مواقع التواصل الاجتماعي”.
السبت 2016/08/13
لا يوجد في علم النفس ما يسمى بـ"صراع الأجيال"

القاهرة- الجيل الجديد أو الأجيال الجديدة التي تتعاقب على مر السنوات تطالب جيل الآباء أو الأجيال الأكبر منها سنا بأن تفسح لها المجال للتعبير عن آرائها، ولتحويل أفكارها إلى حقيقة على أرض الواقع، بل إن هذا الجيل يطالب في بعض الأحيان جيل الآباء بالتنازل عن بعض السلطات الأبوية لصالح أبنائهم لسبب بسيط هو أن مساحة سيطرتهم على الأبناء قد تراجعت قليلا، حيث لم يعودوا مصدر التربية الوحيد لأبنائهم، بعد أن شاركهم التلفزيون، والقنوات الفضائية، ومقاهي الإنترنت، وصالات الألعاب الرياضية والكهربائية، ومحلات الأكل السريع، إذن لم يعد الآباء أصحاب الكلمة العليا في توجيه وصياغة مستقبل أبنائهم كما كان، لأنهم صاروا مجرد مشاركين مع وسائط كثيرة ثقافية وإعلامية وتكنولوجية.

الدكتور عبدالنعيم عرفة محمود، أستاذ علم النفس التعليمي، يؤكد على حقيقة علمية يجهلها الكثيرون من الآباء والأبناء، وهي أنه لا يوجد في علم النفس ما يسمى بـ“صراع الأجيال”، وأن هذه اللافتة التي يعلق عليها الكثيرون أسباب الخلاف بين جيل وآخر لا وجود لها، لافتا إلى أن ما يظهر من خلافات في الرأي بين الأجيال المتباينة هو حراك طبيعي داخل الأسرة الواحدة.

ويقول الدكتور عبدالنعيم “حتى نضع الأمور في نصابها الصحيح يجب أن نضعها في إطار خلاف في وجهات النظر عبر الأجيال، ووفقا للثقافة السائدة بين كل جيل ويتوقف عليها الحراك الاجتماعي، والالتزام بالقيم والتسامح من جانب الأهل، وتمرير الكلمات الغريبة أو التجارب التي لم يمر بها الأهل، ولذا فالحل أن الأهل لا يمررونها، ولكن تتمسك بها الأسرة وتتفاجأ بعد ذلك بأن تجد في الأجوار سلوكا مختلفا”.

ويوضح أنه يجب أن يكون الحب والخوف مفتاحين لسلوك واع، وأن يكون ذلك من خلال علاقة إيجابية بين الآباء والأبناء، ويضرب الدكتور عبدالنعيم مثلا بأن الفتاة تحديدا في جميع مراحل حياتها تتأثر بوالدتها، إذ أنها تحاكيها في كل شيء وتعتبرها مرجعيتها في جميع شؤونها وخصوصياتها بصفة عامة، أما مرحلة المراهقة بالذات فهي مرحلة حرجة تمر فيها الفتاة بمتغيرات كثيرة، وبالتالي فإن علاقتها بأمها يجب أن تكون دائما حذرة ومتوازية، أي تكون أسس التعامل فيها صحيحة، بمعنى أن تدرك الأم تحديدا خطورة المرحلة التي تمر بها ابنتها، وتحاول أن تراقبها دون أن تشعر بذلك، وإن وجدت خطأ فيمكن معالجته بطريقة الإيحاء غير المباشر، أو بضرب المثل والقدوة حتى تنجح الفتاة، وينبغي أن تعتمد الأم على منهج الصراحة والمكاشفة مع ابنتها، بأن تكون لها الصديقة الحميمة والأم في نفس الوقت.

لم يعد الآباء أصحاب الكلمة العليا في صياغة مستقبل أبنائهم لأنهم صاروا مجرد مشاركين مع وسائط كثيرة إعلامية وتكنولوجية

ويحذر الأم من أن تقع في هوة الانشغال الكامل عن الأبناء، أو أن تغلب عليها الطباع الحادة التي تخلو من العاطفة والتفرقة بين الأبناء، أو الغيرة المرضية بين الأم وابنتها، وكذلك العنف مع الأبناء، أو كثرة الخلافات الزوجية أمامهم، لأن كل ذلك يمنع تكوين علاقة الصداقة والحب والتفاهم بين الأم وأبنائها، مشيرا في هذا الصدد إلى أن الأم حتى تكسب ابنتها وتتجاوز مرحلة “الحراك الاجتماعي” معها وليس صراع الأجيال، فينبغي أن يكون بين الأم وابنتها شكل من أشكال التقارب، وأن تحرص الأم على تبادل الرأي والمشورة مع ابنتها في كل ما تمر به الابنة من مواقف في حياتها، فتقدم الأم لابنتها الخبرات التي تعدها أما للمستقبل، ويجب أن تتعرف الأم على صديقات وأصدقاء أبنائها وأسرهم، وتعطي لهم – أي للأبناء – قدرا من حرية الاختيار، وإذا حدث خلاف في وجهات النظر تتناقش معهم بود وبأسلوب مقنع ومنطقي وبعيد عن العنف.

أما الدكتورة هبة صالح، أستاذ علم الاجتماع، فتقول إنه خلال الفترة الأخيرة طرأت على المجتمعات البشرية المعاصرة تغيرات كثيرة ومستجدات جديدة في كل المجالات، كان لها تأثيرها المباشر وغير المباشر على سلوك الأفراد والجماعات سلبا وإيجابا، وقد تغيرت النظرة إلى القيم، وبخاصة من جانب الأجيال الجديدة التي تبدي تمردا على الكثير من عادات المجتمع وتقاليده وقيمه.

وتعتبر الدكتورة هبة أن هذه الظاهرة عامة لا تقتصر على مجتمع دون آخر، وعادة فإنه غالبا ما ينظر الجيل الجديد إلى أفكار الجيل القديم وتصوراته على أنها تصورات قديمة مختلفة لم تعد تلائم العصر، ولا تتفق مع المتغيرات الجديدة، والمستجدات التي تطرأ على حياة الأفراد والجماعات، ومن هنا تنطلق الشكوى من جانب الجيل القديم من اهتزاز القيم، وحاجة الإنسان المعاصر إلى الإحساس بالقيم، وافتقار الأجيال الجديدة إلى العمق والجدية في نظرتها إلى الحياة.

وتضيف “لكن مع ذلك لا ينبغي أن نضيق ذرعا بما يبدو من مظاهر لدى الأجيال الجديدة في نظرتها إلى القيم، فهي في حاجة إلى أن ترى القيم التي يتحدث عنها الجيل الجديد تتجاوز مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل، فالجيل الجديد في حاجة إلى نماذج يسترشد بها وقدوة يتأسى بها، وما يجعله يتمرد على دروس الأخلاق من الجيل القديم هو الانفصال بين القول والعمل، فلا يجوز للأب –مثلا– أن يحذر ابنه من مضار التدخين وهو يدخن، ولا يجوز أن يطلب منه أن يكون صادقا وهو كاذب”.

21