خرافة الديمقراطية التشاركية في الجزائر

لا يمكن استيراد الديمقراطية التشاركية ثم غرسها في بلد لا يعرف من الديمقراطية غير الاسم، وتسيطر على الناس فيه الذهنية الإقطاعية والبدائية والحكم الفردي.
الخميس 2018/11/15
السائد في الحياة الجزائرية هو الحكم الفردي الذي لا علاقة له بالتسيير الجماعي للدولة

في هذا الأسبوع نشرت وسائل الإعلام الجزائرية خبرا جديرا بالتحليل جاء فيه أن “خبراء من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة سيصلون قريبا إلى الجزائر لدعم الديمقراطية التشاركية فيها وتحقيق التنمية في إطار ما يصطلح عليه ببرنامج كابدال”. ويبدو من هذا الخبر أن الديمقراطية التشاركية موجودة في الجزائر، ولا ينقصها إلا دعم الأوروبيين ومباركتهم، ولكن الواقع عكس ذلك تماما.

من الملفت للنظر هو تناقض مصطلح الديمقراطية التشاركية كمفهوم فلسفي وكتطبيقات سياسية واجتماعية في المجتمعات الديمقراطية، وبين ما هو معمول به في الحياة السياسية الجزائرية منذ الاستقلال إلى اليوم. حيث أن السائد في الجزائر هو نظام سياسي مؤسس على الأحادية المركزية ذات الامتدادات في شتى المؤسسات، وهي تلغي أيّ إمكانية لبروز سياسات جدية تضمن تقاسم الممارسة السياسية في الميدان الحيوي سواء على مستوى الهرم الأعلى للسلطة الحاكمة، أو على مستوى امتدادات هذه المركزية شبه المطلقة في نسيج المجتمع بأسره.

ولكي تتضح الصورة أكثر ينبغي القول إن الوضع على مستوى الهرم الأعلى للدولة لا نجد فيه أثرا للديمقراطية التشاركية، لأن رئيس الدولة في الجزائر هو الذي يتحكم في كل شيء، أما على مستوى المدن والأرياف فإن ممثل الدولة وهو المحافظ، فهو الذي يقبض بأسنانه على جميع مفاصل الحياة الاجتماعية والإدارية والثقافية والتربوية والسياسية، علما أن وجود أحزاب المعارضة والسلطات القضائية ومختلف الإدارات الأخرى في هذا الفضاء ليس سوى مجرد شكل هلامي لا يؤثر في الأحداث المفصلية التي تقرر مصير حياة المواطنين.

الخبر المذكور يبدو محايدا ولكنه في العمق منحاز لأنه يبين أن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة يمارسان النفاق عندما يغلفان تدخلهما في الحياة السياسية الجزائرية بخطابات دعم الديمقراطية التشاركية في الجزائر، وهما يعلمان جيدا أن السائد في الحياة الجزائرية هو الحكم الفردي الذي لا علاقة له بالتسيير الجماعي للدولة.

كما يكشف هذا الخبر النقاب عن محاولات النظام الجزائري لأن يبيع وهم الديمقراطية التشاركية والعادلة للناس من جهة، وأن يظهر للرأي العام الوطني والدولي من جهة أخرى أن التنمية في الجزائر تقودها الثقافة الديمقراطية التشاركية، علما أن الواقع يناقض هذه المزاعم حيث نجد القطاع الرأسمالي في الجزائر يلوي رقاب ملايين العمال والفلاحين الذين تكبل نسبة كبيرة منهم البطالة ويطحن نسبة أخرى منهم البؤس الاقتصادي والجهل والفقر الثقافي.

في هذا السياق يمكن التساؤل: لماذا تحتكر وزارة الداخلية قضية الترويج للديمقراطية التشاركية في المجتمع الجزائري، وكيف تسمح لنفسها بالتدخل في قضايا كثيرة دائما ليست من اختصاصها مثل سير العملية التربوية في المدن والأرياف، وكذا قضايا السكن وغيرها من الأمور التي هي من اختصاص وزارات وقطاعات أخرى؟ ولماذا تتدخل الآن في قضية الديمقراطية التشاركية التي تندرج في إطار التكوين السياسي للشباب وللناخبين والناخبات الجزائريين بشكل خاص. علما أن التكوين السياسي أو العقائدي هو من اختصاص المؤسسات الفكرية والسياسية التي تناط بها مهمة التثقيف النظري أو تطبيقات النظريات السياسية في الميدان، حيث تكون هذه المؤسسات تابعة للمراكز الفكرية التابعة للدولة أو للأحزاب ولجمعيات المجتمع المدني بالدرجة الأولى وليس لوزارة الداخلية.

ثم هل يمكن أن يتصور المرء إمكانية بناء صرح الديمقراطية التشاركية في المجتمع الجزائري في ظل التطبيقات الرأسمالية المتوحشة التي يشرف عليها النظام الحاكم في الجزائر؟ وأين هو المجال العمومي الديمقراطي الذي هو الشرط الضروري لنشأة الديمقراطية التشاركية؟ وهل يمكن أن تبنى الديمقراطية التشاركية في ظل سياسات استبعاد المشاركة الحقيقية للناخبين وللطاقات الوطنية المختلفة من بناء النظام السياسي ومن إدارة شؤون البلاد فعليا؟

إن غياب هذه الشروط يؤكد انعدام الديمقراطية في الجزائر التي يوهم كل من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أنهما سيأتيان إلى الجزائر لدعمها، وفي الواقع فإنه لا يمكن استيراد الديمقراطية التشاركية ثم غرسها في بلد لا يعرف من الديمقراطية غير الاسم وتسيطر فيه الذهنية الإقطاعية والبدائية والحكم الفردي المؤسس على دعامات القوة الغليظة المفروضة من فوق.

9