خرافة الذاكرة المشتركة بين الجزائر وفرنسا

الخميس 2017/08/10

في الرسالة التي وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا لنظيره الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة أكد أن “العمل انطلق غداة انتخابي وهو يتمثل في حماية ذاكرتنا المشتركة والدفاع عن حقيقتها ونزاهتها. أنتم تعرفون عزمي على حماية هذا الإرث المتقاسم في ظل روح التبصر والتهدئة”.

في البداية ينبغي مساءلة هذا النمط من أحكام القيمة التي يطلقها الرئيس الفرنسي بخصوص زعمه بوجود الهوية الجزائرية الفرنسية الموحدة، علما أن الأركان المشكلة لهوية الشعب الفرنسي تختلف جوهريا عن تلك التي تشكل معمار بنية الهوية الجزائرية. وفضلا عن هذا فإنه من الضروري التساؤل عن الإجراءات الملموسة التي قام بها الرئيس ماكرون، منذ انتخابه رئيسا لفرنسا، لحماية ما يدعوه خطأ في رسائله وتصريحاته بالذاكرة الجزائرية الفرنسية المشتركة؟

ثم ما هي أركان ومكونات هذه الذاكرة المشتركة التي يلهج بها ماكرون ولماذا لم تتجسد حتى الآن في العلاقات الثنائية الاقتصادية والسياسية والثقافية التي أصابها ولا يزال يصيبها الاكتئاب والجمود على مدى سنوات طويلة؟ من الواضح أن الرئيس ماكرون يدرك في قرارة نفسه أنه لا توجد ذاكرة واحدة في ظل الحقبة الاستعمارية، أو في ظل علاقات الهيمنة في فترة الاستقلال الشكلي ما عدا ذاكرة الدماء والقتل والتشريد والسيطرة والعسف المادي والثقافي في الغالب.

لا شك أيضا أن النظام الجزائري يخدع نفسه ويضحك على الشعب الجزائري جراء تسويقه لفكرة وهمية تتمثل في التطابق المزعوم بين ذاكرة القاتل وذاكرة المقتول، وبين هوية الجلاد وهوية الضحية.

في هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن الموقف الجزائري الرسمي، المهادن لهذا الشعار الذي يرفعه الرئيس ماكرون تلطيفا للزيارة الرسمية التي ينوي أن يقوم بها للجزائر قريبا حسب ما أعلن عن ذلك في الرسالة الرسمية الأخيرة التي خص بها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، يتناقض جوهريا مع الموقف الشعبي الجزائري الذي يرفض سياسات التلويح بالاعتراف الفرنسي الشكلي بجرائم حرب فرنسا الاستعمارية المتعددة، حيث نجده يطالب الساسة الفرنسيين منذ الاستقلال إلى اليوم بتقديم الاعتذار الرسمي المتزامن مع دفع التعويضات للضحايا الجزائريين المتضررين من مختلف أشكال القهر الاستعماري، وفي المقدمة مصادرة الأملاك والقتل الجماعي ونفي الآلاف من الجزائريين وتدمير هويتهم اللغوية والثقافية، وكبت أرشيف الحقبة الاستعمارية والسكوت عن مآسي التجارب النووية في الصحراء الجزائرية التي واصلت نهج الجيش الفرنسي وسياسات الأرض المحروقة وغيرها من الممارسات العدوانية المعادية للإنسانية؟

النظام الجزائري يريد في هذه الفترة أن يسوَق صورة ماكرون كداعية لتنظيف التاريخ الاستعماري الفرنسي بجرة قلم، علما أن كدمات الاستعمار الاستيطاني على مدى قرن وثلاثين عاما يصعب أن تمحوها الخطابات الدبلوماسية البراقة والبراغماتية.

لا شك أن النظام الجزائري يوفر بفعله هذا المناخ الملائم للرئيس ماكرون لكي يمضي قدما في تعميق عمليات الالتفاف على الحقائق الاستعمارية المأساوية ويواصل الاستغراق في الترويج للشعار الفضفاض المتمثل في ما يدعوه بالذاكرة الجزائرية الفرنسية المشتركة.

في هذا السياق لا بد من تسجيل ملاحظة وهي أن الرئيس ماكرون لم يقدم حتى الآن أي شيء ملموس يبرَر ما يقوم به النظام الجزائري من تهليل لوهم المصالحة الفرنسية الجزائرية المؤجلة دائما، كما أنه لم يمنح لها ما يوفر المصداقية لتوظيف السلطات الجزائرية لميراث حركة التحرر الوطني لكسب الشرعية السياسية في الجزائر.

فالرئيس ماكرون لم يقنع الآن الشعب الجزائري بأطروحة الذاكرة الموحَدة لأنه لا يضع في خطابه عن هذه الذاكرة المزعومة أي برنامج ملموس يمكن ترجمته في الواقع في صورة مشروع جزائري فرنسي يمكّن الطرفين من خلق الشروط التي بموجبها تتم إقامة حوار فرنسي جزائري يرمي إلى بناء ثقافة مشتركة جديدة تحل محل الإرث الاستعماري الثقيل.

فالشعب الجزائري لاحظ أن تصريحات ماكرون أثناء خوضه للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي وعد فيها بالتكفير رسميا عن جرائم الحرب التي قامت بها بلاده في الجزائر كانت في الأساس من أجل استقطاب أصوات الجالية الجزائرية على امتداد التراب الفرنسي، وفضلا عن ذلك فإنه لم يرسم منذ فوزه أي خطة جدية يمكن أن تفضي إلى التخلي عن علاقات الهيمنة التي تمارسها الدولة الفرنسية على الجزائر، والتي تتمثل في مشاركة فرنسا من وراء الستار في فرض النهج الرأسمالي المتوحش على البنية الاجتماعية الجزائرية، ودعم النظام الجزائري وخاصة ما يتعلق بشكل الحكم الفردي الذي يمارسه في البلاد، والإبقاء على التبعية للمركزية الفرنسية، والتستر على مهربي الثروة الوطنية إلى بنوك فرنسا وأوروبا.

وهكذا فإن العلاقات الجزائرية الفرنسية تتميز منذ الاستقلال بالتوتر حينا وبالصراع حينا آخر، وببذل القليل من الجهود لترميمها طورا، ولكن يلاحظ أن كل هذه الحالات المختلفة تحركها في العمق ذكريات الاحتلال الذي أباد مليونا ونصف مليون شهيد، فضلا عن هدم الهوية الجزائرية وركائزها المتمثلة في البنيات الاجتماعية والاقتصادية والحضارية واللغوية والثقافية.

كاتب جزائري

8