خرافة العصر الذهبي

الأحد 2016/03/13

الدكتور لويس عوض يسميها “خرافة العصر الذهبي”، بل يؤكد في أكثر من دراسة أن هذه الخرافة تكاد تكون وقفاً على العرب في تعاملهم مع تاريخهم القومي. وبعبارة أخرى فإنه يشير بلا مواربة إلى أنّ ما يدعوه العرب بعصرهم الذهبي الذي يختلف تحديد سعته الزمنية بين مؤرخ وآخر، هو مجرد وهم من أوهام العرب المعاصرين.

والطريف أن لويس عوض يجعل من تلك الخرافة خصيصة عربية يدعو المؤرخين العرب إلى تجاوزها عن طريق كتابة التاريخ العربي بلا أوهام أو انحيازات مسبقة كما يفعل الكيميائي في مخبره عندما يتعامل مع كتلة من المعادن التي يحاول أن يفصل كل فلزّ منها على حدة. وهو بهذا يدعو إلى تطبيق الشروط المخبرية على الحادثة التاريخية. ومرة أخرى يطالب المؤرخين العرب بما لا يطالب به مؤرخي الثقافات الأخرى في تعاملهم مع تاريخهم القومي.

والإشكالية التي يطرحها لويس عوض ذات شقين: هل صحيح أن العرب هم الوحيدون الذين يتحدثون عن عصر ذهبي؟ وهل صحيح أنهم ينفردون بهذه الخصيصة دون غيرهم من الأمم؟

وأما الشق الثاني من الإشكالية فيمكن أن نصوغه على النحو التالي: لماذا تخترع الأمم خرافات عن عصر ذهبي غارب؟ أو لماذا تلحّ على وجود مثل هذا العصر إذا لم تكن تقوم باصطناعه اصطناعاً؟

يقول نيتشة في كتابه “أبعد من الخير والشر”، “ما الذي عناه ذلك الفيلسوف الإله عندما نصح الإنسان بأن يعرف نفسه؟ هل كان يعني أن تكف عن أن تعني شيئاً لنفسك.. كن موضوعياً؟”.

جوهر هذا النقد النيتشوي كما هو واضح، يكمن في استحالة الخروج من تجربة استعادة الماضي بنتيجة يتطابق فيها تقييم الحادثة التاريخية مع الحقيقة الواقعية.

وفي الشروط المأساوية التي نعيشها نحن العرب المعاصرون، في ظل هذا الاستنفار الأيديولوجي الدائم، صار من المحتّم أن تؤدي بنا عملية جلد الذات إما إلى إنكار وجود العرب الحضاري باختزالهم بمخيال طائفي وقبلي وإثني يفضي إلى عملية ارتداد إلى ما قبل الدولة الحديثة، أو إلى الإمعان في أسطرة التاريخ على نحو يحيله إلى خرافة عصر ذهبي نحاول استعادته بماضوية أصولية معادية للحداثة.

أعترف أنني كنت إلى عهد قريب، أظن أن العرب وحدهم يحتكرون خصيصة المبالغة بالشعور بالتضخم الحضاري، وبخاصة فيما يتعلق بالاعتزاز بلغتهم القومية وتفرّدها بين اللغات. إلا أن كتاباً قرأته قبل سنوات يتعقب فيه مؤلفه مواقف مختلف الثقافات ونظراتها القدسية إلى لغاتها قد أكد لي أننا حتى في مسألة اللغة لا ننفرد في تقديرنا الخاص لها. فالسويديون على سبيل المثال، يتناقلون اعتقاداً قديماً مفاده أن السويدية هي لغة الملائكة.

القدسية اللغوية إذن ليست حكراً موقوفاً على العرب وحدهم. ثم كيف ننظر إلى الحضارة الأوروبية المعاصرة؟ ألا نردد دائماً أن الحضارة الأوروبية الراهنة هي استئناف أو تطوير أو امتداد لعصور اليونان والرومان القديمة؟ وأكثر من ذلك فإننا لكي نحفظ خرافة العصر الذهبي الأوروبي هذه ونمنحها المصداقية لا نتردد البتة في القول إن الحضارة العربية قد حققت دورها الأساسي في الحفاظ على العصر الذهبي الأوروبي متمثلاً في علوم وفلسفات وفنون اليونان ونقلها إلى عصر النهضة الأوروبية. فكأننا على حد قول رينان مجرد محافظين للآخرين عصورهم الذهبية دون أن يكون لنا عصرنا الخاص.

ثم لماذا تخترع الأمم خرافات عن عصر ذهبي غارب؟ هل تفعل ذلك لأنها تشير إلى الأمام وهي متجهة بباصرتها وبصيرتها إلى الوراء؟ أم أنها تفعل ذلك لأنها تريد أن تؤكد أن أرضها اليباب لا بد أن تورق وتثمر اعتماداً منها على واقعة تحملها الذاكرة الجماعية للأمة عن ازدهار ماض انقضى ولكنه يشير إلى عصر ذهبي كان مثمراً؟

مهما يكن من أمر فإننا في خضم الطوفان الأيديولوجي الذي يجتاح عالمنا العربي لا نملك إلا أن نصدق خرافة العصر الفرعوني وأن نكف عن استنكار خرافة عصرنا الذهبي العربي.

ناقد من سوريا مقيم في لندن

11