خرافة المطر الملياري

الدولة بقطاعاتها كافة غارقة في الفساد حتى أذنيها، ففي كل مؤسسة ووزارة وعلى مستوى السلطات الثلاث هناك جيوش من القوارض استولدتها العملية السياسية على مدى السنوات الـ15 الماضية.
السبت 2018/11/24
العراقيون لا تنطلي عليهم هذه الذرائع

ضحك العراقيون وهم يسمعون، الاثنين الماضي، محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق يعلن خلال جلسة البرلمان، تلف سبعة مليارات دينار (نحو ستة ملايين دولار) داخل مصرف الرافدين الحكومي، ولكنه كان ضحكا كالبكاء، وتحول تصريح العلاق الصادم إلى مناسبة لانتقاد أوجه الفساد في العراق.

كان المحافظ وهو يروي خرافة المطر الملياري، غير مقنع ولا موفق في تقديم مسوغ معقول، تماما مثل بطل الحكاية، التي رواها ابن المقفع عن التاجر الذي أودع كمية من الحديد عند جاره وحين أراد استرجاعها قال له جاره لقد أكلتها الفئران. الشارع العراقي وحده كان صاحب الكلمة عندما التأم رأيه العام: كادحه وسيده ورجل خباز وسائق تاكسي وفلاح والآلاف من المواطنين الذين جعلوا من خرافة المطر الملياري واحدة من أشد الحكايات ألما مصحوبة بالأسى على مائدة ناهشي جسد الوطن، منذ عام 2003.

ونسي البرلمانيون والمحافظ في الجلسة البرلمانية تلك، أن العراقيين لا تنطلي عليهم هذه الذرائع، فهم، كما يقول المثل الشعبي المتداول “مفتحين باللبن”، لكن البرلمانيين ومعهم المحافظ حاولوا تحويل اتجاهات الرأي العام من قضية إلى أخرى على أمل التغاضي عن التخريب المتعمد في العراق، ذلك التخريب الذي بلغ ذروته في قضية نفوق الأسماك، والعراقيون يدركون، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن حكومات ما بعد الاحتلال مكلفة بالمضي في الإجهاز على العباد والبلاد.

حاول المحافظ أن يقلل من حجم الكارثة بالقول إن المبلغ لم يكن عشرة مليارات كما أشيع، وإنما سبعة مليارات، مشيرا إلى أن الخسائر لا تعني عمليا سبعة مليارات دينار، وإنما تشمل فقط قيمة طبع الورقة والذي يبدأ من سِنتين إلى أربعة سنتات. وقد ضرب العرب المثل لمرتكب الخطأ الذي أوشك من كثرة شكه بنفسه، ومن كثرة خوفه أن يفتضح أمره، أن يقول: أنا المخطئ فخذوني، والقصة كلها من تأليف وإنتاج وإخراج وتمثيل أحزاب الإسلام السياسي الفاسدة. عندما اتصلت ببعض الأصدقاء باحثة عما يمكن أن يفيدني في فهم القضية، وجدتهم جميعا يبكون دما، وإن كانوا يسخرون مما يجري، وأرجعوا سبب ما يحدث إلى الاستهتار بالمال العام، الذي كان منذ تأسيس الدولة العراقية، مصانا وينظر إليه باحترام وتحميه قوانين وهيئات ومؤسسات، في حين أنهم أزاحوا بعد الاحتلال تلك الهيئات والمؤسسات وعطلوا تلك القوانين، التي كانت تحمي الثروات الوطنية لينفردوا بها ويصيحوا “بالبلاد بائع ومشترٍ”، كما كان يقول الشاعر الجواهري، وغرد الشاعر سامي مهدي على صفحته في فيسبوك يقول “العراق فقط.. دون سائر الدول سمكه ينفق ونقوده تغرق”، وقال لي صديق دبلوماسي وهو أكاديمي عراقي بارز إنه وجد، وهو يعدّ كتابه عن هجرة العقل العراقي أن الدولة بقطاعاتها كافة غارقة في الفساد حتى أذنيها، ففي كل مؤسسة ووزارة وعلى مستوى السلطات الثلاث هناك جيوش من القوارض استولدتها العملية السياسية على مدى السنوات الـ15 الماضية، وعلى تعاقب الحكومات ما بعد الاحتلال، في نشاط محموم لانتزاع كل ما يمكن انتزاعه من أموال ولقى ومقتنيات جردوا منها الدولة كما استحلبوا المواطنين، وبات التزوير واغتصاب العقارات والسرقات المليارية من بديهيات العملية السياسية، وذلك كله مما يعترف به سياسيو العراق بعظمة لسانهم، كما يقال.

إن هذا الرأي لا يقوم على الإنشاء وإنما هو رأي أكاديمي مسؤول استخدم فيه أدواته العلمية، التي توصله إلى نتائج موضوعية خالية من الهوى، لذلك فما على العراقيين إذا أرادوا القضاء على الفساد والعودة ببلدهم إلى ما كان عليه من صيانة للمال العام واحترام للثروات الوطنية، إلا أن يبدأوا بكنس السلم وتنظيفه من الأعلى إلى الأسفل، وإلا فإن هذه الكوابيس والخرافات التي يعيشونها، ستتواصل بنسخ جديدة مرعبة.

9