خربتوا بيوتنا

صغرت شاشة الكمبيوتر وصارت في جيبك، على هاتفك. وعدنا إلى أن الصحافة هي محتوى وليست منصات ورق أو شاشات أو فيسبوك. ولا ندري ما هو آت في العقد الجديد.
الأربعاء 2020/01/08
الابتكار أداة سهلة ورخيصة بيد المستخدم

من الصعب الحكم على تأثير الابتكار التكنولوجي على المدى البعيد. التأثير يرتبط بتقبّل الناس للابتكار، ثم بالطريقة التي يتحول فيها الابتكار إلى أداة سهلة، ورخيصة، بيد المستخدم. الكمبيوترات مثلا معنا منذ الخمسينات. كانت حصرا بأيدي المهندسين. انتشرت حين توقف الناس عن التفكير بالبرمجة للكمبيوتر وأصبح أداة تدار بالفأرة ولوحة المفاتيح، ومؤخرا من خلال لمس الشاشة.

مع كل خطوة يتغير التأثير. يقل أو يزيد. يقل فيختفي الابتكار. ويزيد فيصبح طاغيا لدرجة أن الناس لا تستطيع التفكير بكيف كان العالم من دون وجود هذه الأداة. يستهين الكثيرون بالأمر في البداية، ثم يصبحون مريدين.

لديّ تجربة شخصية مع هذا الأمر. عام 2000 أطلقت موقعا إخباريا. كان الموقع الإخباري الأول المستقل باللغة العربية، ثم أتبعته بنسخة إنجليزية. بدا الأمر غريبا في حينه. عليك أن تكون مؤسسة إعلامية موجودة لتطلق موقعا ينقل ما تنشره على الورق أو على الشاشة. أما أن تكون مؤسسة إعلامية أونلاين فقط، فكان شيئا مختلفا.

لا أزال أذكر سخرية البعض. تعاملوا مع الفكرة بأنها “لعبة أطفال”. الموقع الإخباري مثله مثل فيديو جيم. طالما هو على الكمبيوتر فقط، لا ورق ولا شاشة تلفزيون تساندانه، إذن هو لعبة. الإنترنت كواسطة، والكمبيوتر كأداة، وبرامج النشر وقواعد البيانات كتكنولوجيا جديدة للنشر، كانت تركيبة غريبة لم يتقبلها الناس بسهولة. في عام 2000 ما كانت الناس معتادة مثل اليوم على وجود الإنترنت أو الكمبيوتر بالأصل.

حدثني صديق كان يدير مطبوعة مهمة. سألني: والآن وقد أطلقت هذا المشروع، ماذا ستفعل؟ كيف ستسوّقه وكيف تحوّله إلى شيء محترم؟ لا أريد القول إني كنت أعرف تماما، ولكن الجواب كان أيضا صعبا. طالما هو لا يستخدم الإنترنت والكمبيوتر كما أستخدمهما، فالرد على سؤاله سيكون مربكا لي وله.

مر عام والتقينا. كان الموقع ومواقع أخرى ظهرت بعده قد بدأت تسجل حضورها. انعكس الأمر على مبيعات المطبوعات. قال لي الصديق: ثمة تراجع في التوزيع والمبيعات. لم يربط الأمر بأثر النشر الإلكتروني.

مر عام آخر. التقينا وقال: خربتوا بيوتنا. وعام آخر: الآن نحقق انتشارا على الإنترنت والطبعة الإلكترونية صارت أكثر انتشارا من المطبوعة. ثم طلّق صديقي مطبوعته بالثلاثة، وانطلق إلكترونيا فقط. اليوم النشر الإلكتروني، المباشر أو عبر الوسائط الاجتماعية، هو الأساس، والورق هو للمصداقية. صغرت شاشة الكمبيوتر وصارت في جيبك، على هاتفك. وعدنا إلى أن الصحافة هي محتوى وليست منصات ورق أو شاشات أو فيسبوك. ولا ندري ما هو آت في العقد الجديد.

24