خرج ولم يعد

الاثنين 2016/08/29

استيقظت مع أولى خيوط الضوء التي ألقى بها الشارع الضيق على شباك غرفتها الفقيرة ومنحها نورا عفويا أقوى من كل وسائل التنبيه، ولكنها للأسف لم تملك يوماً ما منبها تستيقظ على صوت موسيقاه أو تستمتع بنشوى امرأة تمد ذراعيها لتخرس منبهها وتستسلم ثانية للنوم الجميل، وحده الضجيج وضوء الصباح يوقظانها، وأعباء كثيرة تنتظرها كل نهار، من تنظيف “شقق” السكان إلى كنس ومسح سلالم البناية التي يحرسها زوجها وتلبية طلبات السكان بلا تذمر، وأي تذمر تملكه ثلاثينية ريفية بسيطة يحمل وجهها براءة الريف وتتشقق يديها من شظف العيش وينكسر قلبها كل صباح من قسوة المدينة، رفاهية التذمر لا تملكها وإلا كانت أعلنت تذمرها من عقد زواجها على سبعيني فقير رث الثياب، أخذتها الحياة إلى أعماقها فغاصت ولم تطف على السطح أو تفيق إلا وقد غادر الزوج عالمها البائس ورحل بالهروب لا بالموت ولا بالطلاق، خرج ولم يعد وبالعامية المصرية الدارجة “طفش”.

أغلقت أذني على الحكاية ظنا مني أنه وضع اقتصادي مترد وظروف اجتماعية ضاغطة وزوج فقير عاجز عن توفير متطلبات خمسة أطفال قذفهم رحم زوجته في عشر سنوات زواجا ولا حتى أبسط مقومات الحياة، ولكن ما بعث القصة من جديد تشابهها مع الكثيرات من مختلف الطبقات الاجتماعية، فهذه مهندسة مدنية على درجة معقولة من الجمال ومستورة الحال لزوج محام مرموق وطفلين وحياة أسرية هادئة بها بعض المناوشات التي لا يخلو منها بيت، فجأة ودون مقدمات كارثية تنذر بحدوث أمر جلل استيقظت فلم تجد زوجها. والغريب أنه ترك لها كل شيء حتى ثيابه القديمة وماكينة حلاقته، قالت بصوت مختنق بالدمع “هجر عالمي بما فيه حتى فرشاة أسنانه تركها. وجدت ولاعته المطلية بالذهب وعلبة سجائره مازالت تحتفظ ببصمة أصابعي وأنا أناولها له، لم يشأ أن يحمل شيئا من دنياي ولم أضع يديّ على مكمن الجرح النازف”.

وتلك الصديقة الأربعينية مدرسة ثانوي من الإسكندرية بعينين عسليتين وخفة ظل منحها إياها الجار الثائر “البحر الأبيض المتوسط”، تحمل ملامحها جمالا وبهاء ونضج امرأة في الأربعين زوجها زميل مهنة وثلاثة أطفال يؤكدون أن هناك رسالة عليهما القيام بها، ولكن بعد فترة خرس زوجي ظنتها نتيجة طبيعية لحياة زوجية تكمل عامها السادس عشر، هرب الرجل ولم يعد إلى البيت ثانية، استجاب لنداهة من نوع غريب علاقة مع أميركية شقراء، ونداء الجنسية وجواز سفر يحمل عبارة فخيمة تمنح أمانا (حامل هذا الجواز تحت حماية الولايات المتحدة الأميركية فوق أي أرض وتحت أي سماء)، ترك ورقة تحمل ثلاث كلمات (سافرت ولن أعود).

كنت أظن الأمر لا يعدو كونه حالات فردية لا ترتقي إلى شغل التفكير أو شغل وقت القارئ بها، وأنها إفراز لوضع اقتصادي بائس ورجل انكسر أمام مطالب الحياة، أو نتيجة حتمية لسنوات من الخرس الزوجي والانفصال تحت سقف واحد، لكنني فوجئت بها ظاهرة تؤرق الكثيرات ممن أصبحن معلقات ما بين وثيقة زواج تعد حبراً على ورق وبين زوج هجر عشه ووضع غائم غير محدد الملامح.

قصص كثيرة ومشاهد مكررة لنساء في أعمار مختلفة وبيئات وثقافات متباينة لا يجمعهن غير تفاصيل المأساة وخيوط الحكاية المعقدة المتشابكة، لا يملكن حلا للغز اختفاء الزوج وكل ما يستطعن فعله هو الذهاب إلى المحكمة لاستصدار حكم نهائي باعتبار الزوج مفقودا واستكمال الحياة كأرملة أو مطلقة تسعى لتربية الصغار، القضية ليست بالبسيطة وتحتاج إعادة تأهيل لرجال لا يقدرون قيمة الزواج وبحثا صادقا من أساتذة علمي النفس والاجتماع.

الرجل يستطيع أن يبدأ حياة جديدة في أي وقت ولكن وحدها المرأة تستغرق سنوات لإعادة ترميم ما تهدم من قلبها ونفسيتها، وغالبا تستكمل مشوار الحياة وحيدة مثقلة بالأعباء النفسية والمادية.

كاتبة من مصر

21