خرق المألوف بلغة بصرية مُراوغة في معرض للحروف الأبجدية

تشكيليون يكتشفون أسرار الحرف التاسع والعشرين من الأبجدية في معرض جماعي لفنون التصوير والنحت والفوتوغرافيا المعاصرة بالقاهرة.
الأحد 2019/12/15
لوحة التبدل والتفكك للفنان محمد عبدالله

طرح معرض الحَرْف الـ29 من الأبجدية الجماعي، الذي اختتم أخيرا بالقاهرة، مفاهيم جديدة حول تعدد اللغات البصرية في التصوير والنحت والفوتوغرافيا من خلال تجارب ثمانية تشكيليين سعوا إلى قنص المجهول في منظومة الأبجدية الفنية المعاصرة.

لا تتوقف أبجدية الفن المراوغة عند حدود الحروف الـ28 التقليدية، بل إن الفن المعاصر في أحدث وجوهه وأخطر مغامراته هو رحلة البحث المضنية عن حرف جديد لم يُكتشف بعد، كما في معرض “الحَرْف الـ29 من الأبجدية” الذي استضافه مبنى تمارا الأثري في قلب القاهرة التاريخية بتنظيم “آرت دي إيجيبت”، وقدّم فيه فنانو “غاليري مشربية للفن المعاصر” على مدار ثلاثة أسابيع (اختتم 7 نوفمبر) منجزاتهم الشخصية المُغايرة في التصوير والنحت والفوتوغرافيا، في محاولة للتعبير الإبداعي المشترك عن صورة عامة لقطاع الفن المعاصر بمصر في الوقت الراهن.

ما اتفق عليه فنانو المعرض هو ألا يكون هناك اتفاق على رواسخ مستقرة، جمالية وتعبيرية، فثيمة المعرض الأساسية هي التحرك ببوصلة الذات الهادية صوب جزر غير مأهولة من قبل، ليكتمل باكتشافها العالم القديم المنقوص، ويعلن الإنسان حضوره في فضاء يليق بمنطوقه وإمكانات حواسّه وطاقاته الكامنة.

تجاورت أعمال التصوير للفنانين: سعاد عبدالرسول، عادل السيوي، أحمد صبري، صلاح المر، هاني راشد، والنحت للفنانين: حازم المستكاوي، محمد عبدالله، والفوتوغرافيا للفنان قارم قارت، في ما يجوز اعتباره مشاريع منفصلة لكل فنان على حدة، مصحوبة برؤى فردية وتصورات خاصة، في معرض “البصمات المميزة”، وتأصيل الهوية الذاتية، وترسيخ قيمة التعدد كسمة أساسية للمشهد الفني بمصر.

تطويع الهيكل الآدمي

الطفولية وروح الكاريكاتير (لوحة للفنان هاني راشد)
الطفولية وروح الكاريكاتير (لوحة للفنان هاني راشد)

في أعمالها التصويرية بالمعرض (وسائط متعددة على ورق)، عمدت الفنانة سعاد عبدالرسول (45 عامًا) إلى القفز خارج البرواز، مقترحة إضافات وتعديلات على الكائن الآدمي كهيكل قابل للتطوير والمساس، وفقًا للحالات المختلفة المتناقضة التي يمر بها، كأن يواجه عواصف الرمال بوجه نابتة فيه أوراق الأشجار، أو يتنبه للمخاطر المحدقة من كل جانب بوجه ثلاثي العيون.

استولت المرأة على اهتمامات عبدالرسول كأيقونة حُبلى بالكنوز السرية والرموز السحرية والمكنونات المتفجرة والنوازع والرغبات المسكوت عنها، فهي القماشة الأكثر ليونة وقدرة على التطويع وفق مزاج الفنانة التي حررت شخصياتها من سائر الفرضيات والاحتمالات المسبقة، ورسمتها مثلما أرادت هي، بمخيلتها الجامحة.

قدم الفنان حازم المستكاوي (54 عامًا) في تكويناته النحتية الباذخة تجليات إيمانه بقوة الجسد وتماسك الإنسان وتأكيد إرادة الحياة، طارحًا انعكاسات رؤيته الجدلية حول العلاقة بين الثابت والمتغير، إذ لا شيء يمكن أن يتلاشى في الوجود وإنما يمكن أن يتحول من صورة إلى أخرى.

في أرضٍ ما، فوق حدود الواقع المعيش، ثمة تجسّدات للبشر وللكائنات جميعًا وفق نظرة تشريحية بالغة الخصوصية لدى الفنان، وفلسفة متعمقة لصياغة الشكل بعد فصل عناصره وإعادة تكوينها من جديد، إلى جانب القدرة على تحريك الثابت، وحساسية استنطاق الكتلة الصمّاء للإفصاح عن مخزونها الداخلي وحمولتها الروحية.

التلفزيون إلى الأبد (لوحة للفنان أحمد صبري)
التلفزيون إلى الأبد (لوحة للفنان أحمد صبري)

مزج الفنان أحمد صبري في أعماله التصويرية بالمعرض (وسائط متنوعة على كانفاه) روح السخرية والتهكم بتقنيات الكاريكاتير وأبجدياته التعبيرية كفن الغوص في الأعماق وتعرية الذات ولمس المشكلات الكامنة تحت السطح من خلال متوالية بعنوان “التلفزيون إلى الأبد” (Tv Forever).

تمكّن صبري من استلهام جيوش الصور المرئية المتحركة عبر الشاشات لتجسيد أزمات الإنسان المعاصر المتعرض للاستلاب والغزو الفضائي والنفي إلى عوالم افتراضية خارج الواقع المعيش، وحفلت أعمال الفنان بما يشبه قصص الكوميكس دون تعليقات، وكأنها لقطات منتزعة من مواد حية أو درامية، هي باختصار مرايا البشر التي لا يرون أنفسهم إلا من خلالها.

شحن التشكيلي السوداني صلاح المر (58 عامًا) أعماله التصويرية في المعرض (أكريليك على كانفاه) بالنوستالجيا والخيالات البكر، مستعيدًا طقوس الحياة في البيئة المحلية الجنوبية، ومطورًا ثيمة البورتريه كمعبر إلى حرارة أنفاس البشر، ووهج المشاعر الزاخمة كسطوع الشمس.

جاءت أعمال المُر خرائط مرهفة للكوامن الإنسانية، ونوافذ منفتحة على الطبقات العميقة للنيل الأزرق، بخصوبتها وأساطيرها وعوالمها الغامضة، وحملت الأعمال ملامح الفلكلور السوداني والحياة الشعبية في الجنوب معيدة إنتاج الجذور الإفريقية في قوالب وأنساق جريئة مبتكرة، حررت البورتريه من قيوده الموروثة، وأكسبته خصائص الدرامية والتفاعلية.

أبعاد الصورة

الفلكور وخصوصية البيئة المحلية (لوحة للفنان صلاح المر)
الفلكور وخصوصية البيئة المحلية (لوحة للفنان صلاح المر)

 جاءت أعمال الفوتوغرافيا بالمعرض على يد الفنان الإيطالي المقيم في مصر كارمينيه كارتولانو “قارم قارت” (47 عامًا) لتضيف أبعادًا جديدة إلى الصور النمطية، فهي مزيج بين لغة الكاميرا والوسائط المتعددة على الورق، وقد استلهم الفنان جولاته ويومياته كمصوّر بشوارع القاهرة في إطلالته الثرية على ملامح الحياة الشعبية في مصر، ناسجًا خريطة بشرية ومكانية للأحياء الأثرية والتاريخية بأناسها ومعالمها وشواهدها الباقية على مر الزمن.

تجسّدت الأبعاد الكاملة للتكوينات التشكيلية في مجسّمات الفنان محمد عبدالله (41 عامًا)، وهي سلسلة منحوتات ذات بنية دينامية غير مستقرة، دائمة التبدّل والتحوّل والتفكك، وجاءت أشكاله المتخلصة من فكرة النموذج المسبق ذات طابع تجريدي، متخلية عن الأسطح والتفاصيل الثابتة الملموسة، فهي أقرب إلى الأجرام الحرة في الفراغ، التي يشعّ منها البياض، ويمكن أن يتفجر منها الضوء.

تماهى الفنان عادل السيوي (67 عامًا) في أعماله التصويرية بالمعرض (وسائط متنوعة على كانفاه) مع الحركة، ممثلة بجسد المرأة، وخصوصًا في أعماله التي صوّر فيها الراقصات المعروفات من أمثال نعيمة عاكف وسامية جمال، واتخذ الفنان من الرقص منطلقًا لتقصي حركة الروح كوقود للجسد، وتوخّي مسارات البهجة في الوجود، مبتعدًا بدوره عن تقاليد الصور الشخصية ومفاهيمها الميكانيكية.

وبألوان الأكريليك على أقمشة ومسطحات مختلفة، لمس الفنان هاني راشد (44 عامًا) في أعماله التصويرية بمعرض “الحرف الـ29 من الأبجدية” تكرار النموذج البشري وغياب التفاصيل وامّحاء الملامح الإنسانية، بل غياب الوجود الإنساني ذاته، من خريطة العالم المعاصر المغرق في المادية والمكينة والتهويم الافتراضي.

استلهم راشد تكنيك الكارتون وخبرات الغرافيك في تشخيص هذه الأفكار والتصورات وتوصيفها بأسلوب اعتمد الطفولية والسهولة وعدم الالتزام بالنسب والأبعاد، وانتهج المبالغة والتناقض بين الأضداد والألوان والظلال بحس تجريبي فطري.

15