خرمشات قط

الأحد 2016/12/18

أنا "نمر"، هذا اسم الدلع الذي تناديني به أمي.. أنتم تعرفون أن كل قط في عين أمّه نمر، أمّا أصحاب البيت الذي أسكنه فيدعونني "كركر" ، لست أدري من أين جاؤوا بهذا الاسم، كأنه لضفدع أو لواحد من تلك الفصائل التي تصطاد بألسنتها بدل مخالبها.

عموما أنا لا تهمّني الأسماء ولا الهويات ولا جوازات السفر مثلكم يا معشر الذين يمشون على اثنين كما الدجاج، فكل أحضان الناس جنسيتي، ولا أتوانى -إن لزم الأمر- عن خرمشة الأيادي التي تمسح على وبري وتمدّني بالطعام، لست في حاجة إلى تقبيلها والدعاء عليها بالكسر، أنا لست منافقا.

كل ما أعرفه أنّي قط، ابن ستين قط، نشأت من فصيلة تنطق لغة “المياو”، لست سياميّا ولا من تلك الفصائل النادرة التي تعيش على المعلبات، أنا بصراحة من أصول شوارعيّة بامتياز، وأعتزّ بنسبي رغم أنّي مجهول الأب مثل بقيّة أترابي.

أمهاتنا لا تسأل عن مهور وعقود وحفلات زواج في شهر فبراير، ما يهمّها هو طلب "السترة" والحب، وما أدراك ما الحب.

أعيش في صالون فاخر رغم أنّي حديث النعمة، فلقد شاءت الصدف أن امتدّت إليّ يد الرحمة عند حاوية القمامة -مسقط رأسي- في ليلة باردة، أدخلتني بيتا مترفا، حيث أنعم بالدفء والطعام الفاخر والنوم الهنيء.

أصارحكم بأنّي أحنّ الآن إلى أطعمة الشارع ولحوم الفئران الطازجة التي درّبتني أمي على اصطيادها، لكني صرت اليوم أخافها بفعل الرفاهية التي علمتني الكسل.

ليلة البارحة وأنا مستلق على الكنبة، هاجمني فأر مجنون صار مفتول العضلات بفضل إقامته الدائمة في المكتبة الوطنية، كان يريد الثأر لوالده الذي التهمته أمي.

الحكاية هي أن أمي كانت قد عاشت شبابها صديقة لفأر في مبنى البنك، وكانت تضطرّ في حالات الضنك والجوع إلى قضم خشب المكاتب وأكل الشيكات والسندات والودائع والنقود.. قالت لي إنّ النقود طعمها سيء جدا، عندها اضطرّت لافتراس صديقها بعد أن اعتذرت منه مسبقا.

أنتم تنظرون كثيرا إلى الأعلى وتخشون السقوط، أما نحن فعلى عكسكم تماما، ولا نقع إلاّ على أقدامنا، ولا يتعدّى مستوى ارتفاع نظرنا شبرا واحدا، هذا ما نريده على كل حال، فنحن لا نطمع بفريسة أطول من قامة فأر.

مات أخي الأكبر إثر حادث أليم تحت دابّة معدنيّة يقودها سائق أرعن، أما أخي الأصغر فقد ولد ضعيفا ومشوّها فاضطرّت أمي لالتهامه، لا تفهموني بشكل مغلوط وتقولون إن القطط -مثل الثورات- تأكل أبناءها، حتى طائر الحجل يفعل ذلك، وينقر على بيضه فلا يبقي إلاّ على واحدة أو اثنتين، إنه شكل من أشكال تحديد النسل وتحسينه.

هذه هي الحياة: نحن نركض خلف الفئران والكلاب تركض خلفنا، ووراءها الذئاب التي تركض خلفها السباع.. هيّا نركض دون أن نلهث، فما أجمل أن يركض الواحد كي لا يصل.

24