خروج الصحافة من "البؤرة السوداء" مرهون باستقرار الأمن في ليبيا

النشر غير المنضبط دفع البلاد إلى استقطاب حاد.
الثلاثاء 2021/05/11
حقوق ضائعة واستهداف مباشر

ورث الإعلام الليبي عن نظام الزعيم الراحل معمر القذافي جملة من المشكلات المهنية والأمنية، لكن الواقع الحالي ليس أفضل كثيرا مع فوضى المنابر المتعددة دون تنظيم ومحاسبة، إضافة إلى ما يواجهه أغلب الصحافيين من مخاطر وتحديات.

طرابلس - وصفت منظمة “مراسلون بلا حدود” حال الصحافة الليبية بأنها “بؤرةٌ سوداء حقيقية” في تقريرها هذا العام وهو واقع يدركه ويعيشه الصحافيون يوميا منذ سنوات، ويفسرونه بعدة أسباب إلا أن الاستقرار السياسي هو البداية لتغيير هذا الوضع.

ويرى وزير الثقافة الأسبق حبيب الأمين أن سبب تدهور الصحافة في ليبيا هو عدم مَأسَستها أولًا. ويقول “مع أن الأوضاع انتقلت إلى مناخ أكثر انفتاحًا وحرية بعد الثورة عام 2011، ويظهر هذا في حرية ممارسة الإعلام على الصعيد الشخصي التي اكتُسِبت إلى حد ما. لكن الصحافة لم تنل ختم المَأسَسَة، أي أن يُنظَّم إعلام الدولة الوطني ويتحول فعلًا إلى إعلام الشعب وحالة للتواصل بينه وبين السلطات، وليس رسائل مسخرة من السلطة باتجاه الشعب لتجهيله وتسخيره لصالحها”.

واعتبر الأمين أن مشاكل الصحافة بدأت في عهد نظام معمر القذافي. مع ما سُمِّى حينها بالإعلام التعبوي الجماهيري التابع للزعيم نفسه وليس الدولة.

وأضاف “قد لا يختلف الليبيون على وضع الصحافة البائس بالأمس، لكن حال اليوم لا يعجب الكثيرين أيضًا، وأنا منهم. نحن نمر بمخاض طبيعي لما بعد الثورة، ونتمنى أن نخرج منه بسلام”.

وشهدت البلاد عامي 2012 و2013 انفتاحًا شبه مطلق على النشر، من خلال العشرات من القنوات التلفزيونية، والمئات من الصحف والمواقع الإلكترونية، والملايين من صفحات التواصل الاجتماعي. ووفق الصحافي محمد النايلي فإنه “بسبب غياب ثقافة الاعتراف بحق الاختلاف في الرأي ساعد النشر غير المُنضبِط على دفع البلاد إلى حالة استقطاب حادة سُرعان ما أنتجت انقسامًا سياسيًا بدأ عام 2014، انتهى شكليًا هذا العام، لكنه لازال ظاهرًا في ما نقرأ ونسمع يوميًا من خطابات تدعو إلى الكراهية وممارسة العنف”.

واستفحل الأمر وأصبحت مؤسسات إعلامية ليبية تُمول ثم تُدَار من دول أخرى لصالح “أجندات غير وطنية ساهمت في تعميق الكراهية وزيادة الفُرقة بين الليبيين”.

ويعتقد الصحافي والكاتب اللبناني ريكاردو كرم أن الحالة الليبية قريبة لما حدث ويحدث في بلده منذ السبعينات. ولهذا، “لن تجد ليبيا الحل، ما لم تعثر مؤسساتها الإعلامية على طريق للاستمرار دون حاجةِ للمال السياسي”.

ريكاردو كرم: الحالة الليبية قريبة لما حدث ويحدث في لبنان منذ السبعينات

وكان الصحافيون في مقدمة من دفع ثمن هذه الفوضى. بدأ التضييق على حرية الصحافة من بنادق تشكيلات مسلحة (عسكرية أو أمنية أو ميليشيوية) تابعة في الغالب لأحد الأطراف السياسية المتصارعة. والسبب عادة يعود إلى الرغبة في تعتيم الخبر أو تحريفه بصيغة تخدم مصالحها، أو بسبب التوجه السياسي المخالف للصحافي أو مؤسسته، أو نتيجة عدم انضباط أفراد التشكيلات.وتحدث الصحافي حسين البرناوي عن تعرضه للضرب من إحدى الميليشيات وهو يُجري بثًا مباشرًا، دون أن يخاف الجاني من عِقاب جريمةٍ شَهِد عليها كل متابعي البث.

لكن تجربة البرناوي أسهل من النايلي الذي يروي مأساة اختطافه عام 2015 أمام بيته ومصادرة سيارته ومعدات التصوير، وبعد أن تَعَرَّض للتعذيب والابتزاز؛ لم يستطع العودة إلى أسرته إلا بعد أن دفع أهله 100 ألف دينار فدية للخاطفين.

في السنين اللاحقة لم يكن أمام النايلي إلا المزيد من العمل الصحافي لإرجاع أموال الفدية التي استلفها أهله، إلا أن مشكلة شخصية مع أحد المسؤولين “بحسب قوله” دفعت المسؤول إلى ابتزاز الوكالة الأجنبية التي كان يعمل لديها النايلي من أجل طرده من العمل نظير السماح للوكالة بالعمل في ليبيا.

لحسن الحظ لازال النايلي يتمتع بكامل لياقته الصحية، خلافًا للمصور الميداني حمزة تُركية الذي تلقى جسده أربع رصاصات في ثلاث مناسبات، كان أولها خلال تغطية الحرب مع داعش في سرت عام 2016، واثنتان أثناء الحرب الأخيرة بطرابلس العام الماضي. ورغم ذلك، يستمر تركية في العمل.

ويقول تركية “بسبب ضعف الدولة وغياب نقابة جامعة؛ نجد أن أغلب الصحافيين الليبيين يعملون في الإعلام المحلي أو الأجنبي كمتعاونين دون عقود رسمية، وهذا يحرمهم وذويهم نيل الحقوق بعد التعرض للأذى”.

ربما ما كان تركية لينجو ويسرد قصته لولا تدريب ميداني تلقاه حول كيفية التصرف في البيئة العدائية. لذلك يطالب مدير قناة ليبيا الوطنية خالد غلام بضرورة إخضاع جميع الصحافيين الميدانيين للتدريب من أجل تفادي الخطر، مع أنه يبدي أملًا في تحسن البيئة أمام الصحافيين، خاصة بعد إيقاف القتال، وانعقاد الآمال باحتمال توحد البلاد والذهاب لانتخابات مباشرة، قد تُلملم الفوضى.

18