خروج المسرح الغربي المعاصر من معطف الرحلة الشرقية

الكتاب يبين أن المسرح الغربي ثار على الأساليب الكلاسيكية، وذلك من خلال الانفتاح على رحابة التقنيات الشرقية.
الأربعاء 2019/01/09
ابتكار أساليب جديدة في المسرح الغربي

عبد العزيز جدير

تكمن أهمية كتاب “من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافة الفرجة” للألمانية إريكا فيشر ليشته، الصادر عن “المركز الدولي لدراسات الفرجة” بالمغرب، في كونه يجمع بين دراسات كتبتها الجامعية الألمانية في ما بين فترتي 1986 و2016، دراسات تعرض لتطور مسرح المثاقفة من جهة، وترصد تطور هذا المفهوم والانتقادات التي وجهت له في ما بعد، لتحط الرحال عند ما يسمى منظومة تناسج ثقافات الفرجة من جهة ثانية.

ونشأ التفكير في مسرح المثاقفة انطلاقا من التمركز الأوروبي اعتبارا من الرحلات الأولى لجيل الرواد، منذ مشاهدة أنطونان أرطو لمسرح الباليني بباريس سنة 1931، ومشاهدة بريشت لأوبرا بيكين في إحدى زياراته لموسكو للمشاركة في مؤتمر دولي للمنتجين المسرحيين، حضره ثلة من الباحثين والمخرجين الكبار يومها (1935).

وبعد ذلك ظهر إلى الوجود ما يسمى “أثر التغريب”، الذي كان يسكن عمل بريشت مخرجا من دون أن يحضر في إدارة الممثل. وقد لعبت الرحلات الأولى للرواد، وزيارات الفرق اليابانية والصينية للعالم الغربي سواء أميركا أو أوروبا، الدور الرئيسي في التعرف على هذه القوالب والأساليب المسرحية أو الفرجوية الآسيوية بالتحديد. ونتج عن ذلك ابتكار أساليب جديدة في المسرح الغربي متأثرة بهذه الأساليب والقوالب سواء منها “النو” و”الكابوكي” و”الكاتاكالي”.

 وقد تجلى التأثير في المسرح المعاصر والتجريبي ابتداء من ستينات القرن الماضي، مع رحلة كروتوفسكي مثلا نحو المسرح الشرقي، ورحلة بيتر بروك وغيرهما، عبر ابتكار تقنيات مستلهمة أصلا من الأساليب الشرقية مثل “الهاناميتشي”، وتموضع الجسد وتقنياته.

ويبين الكتاب أن المسرح الغربي ثار على الأساليب الكلاسيكية، وذلك من خلال الانفتاح على رحابة التقنيات الشرقية. وتم التعامل مع هذه التقنيات بشكل فولكلوري أحيانا. ولم يتم الاعتراف بهذه الثقافات الفرجوية الشرقية في أحايين أخرى، إلا في حدود تمظهرها في المنجز المسرحي الغربي، مما يبين قوة التمركز حول الذات الغربية.

إعادة التفكير في مسرح المثاقفة
إعادة التفكير في مسرح المثاقفة

وتعتبر هذه هي المنظومة الأولى لمسرح المثاقفة. والتي تم انتقادها في ما بعد، سواء في محافل الفيدرالية الدولية للبحث المسرحي أو في غيرها. من ذلك انتقد روستم باروتشا بشكل لاذع تجربة “مهابهاراتا” لبيتر بروك في منتصف الثمانينات، بينما كان الكل يمجد هذه التجربة باعتبارها تجربة جريئة، ومشاهدتها مهمة وضرورية. فانبرى باروتشا لنقد بروك قائلا “إنك أفرغت المهابهاراتا من محتواها السياسي والثقافي والديني والحضاري، واستلهمت فقط ما هو فولكلوري شكلا ومضمونا”.

وهكذا، ولد يومها ما سمي بحرب المثاقفة، فأبرزت حرب مسرح المثاقفة مواقف مناهضة، واستشكلت مسيرة المسرح الغربي نحو الشرق. وأكد روستم أن الغرب يتعامل بنوع من التمركز نحو الذات، ولا يعترف بمساهمات المسارح الشرقية في تغذية المسرح الغربي بل وأيضا صياغة حلول لمشاكله، مما يؤكد عدم وجود مسرح منكفئ على ذاته. حيث يطرح السؤال نفسه أليس المسرح مجالا للتفاعل والتلاقح والحوار؟

 واتضح هنا ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ المسرح الغربي، وتتمثل في اعترافه بإسهامات الآخر في تطوير منجزه. ومع بداية الألفية الثالثة ران صمت مطبق على الموضوع حتى ظهر المشروع البحثي الرائد الذي حملت لواءه فيشر بألمانيا، وهو مشروع منفتح على جميع مكونات صناعة الفرجة دوليا.

انطلق المشروع باستضافة مجموعة من الفعاليات المسرحية من القارات الخمس، على أساس أن البحث في مفهوم التناسج، والحوار والتفاعل بين الثقافات الفرجوية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، كل من موقعه.

 وقد أسهم مترجم الكتاب في هذا المشروع منذ تأسيسه سنة 2008 إلى الآن، انطلاقا من انكبابه على دراسة المسرح المغربي والعربي، ونشأته في ظل الاستعمار، ثم البحث عن الذات، وذلك من منطلق النقد المزدوج.

تبرز فيشر عبر تناسج ثقافة الفرجة أن المسرح الإغريقي ذاته محصلة حوار مع ثقافات سابقة عليه. ويؤدي هذا التصور الجديد إلى خلخلة التمركز حول الذات، والانفتاح على رحابة الآخر، بل يؤدي أيضا إلى ما يسمى بـ”غزو الاختلاف” وهو فعل يؤدي إلى مناهضة الخطابات التي تروم الانكفاء على الذات سواء كان مصدرها شرقا أو غربا.

ونذكر أن كتاب “من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافة الفرجة” للألمانية إريكا فيشر ليشته، صدر مؤخرا وترجمه عن الإنكليزية الناقد المسرحي خالد أمين. وللكاتبة العديد من البحوث المسرحية الهامة التي نذكر من بينها كتابها “سميائيات المسرح”، وقد قدمت فيه نظرية متكاملة لنظام السيميوزيز المسرحي، وكذلك “جماليات الأداء: الطاقة التحويلية للفرجة” (2004)، و”عودة ديونيسوس” (2013)، و”تناسج ثقافات الفرجة: نحو إعادة التفكير في “مسرح المثاقفة”.

15