خروج تشاك هيغل من الصورة يكشف تبعية أوباما لفريق من الهواة

الجمعة 2014/12/05
استقالة هيغل عززت الشكوك حول الانقسامات في صفوف فريق أوباما

لندن- أدت استقالة وزير الدفاع تشاك هيغل إلى حدوث هزّة داخل المؤسسات الأميركية أزالت الستار عن ديناميكية غريبة تجري بها الأمور داخل الغرف المغلقة في البيت الأبيض، من محاولات للسيطرة وتعال في التعامل مع أعضاء الحكومة وتجاهلهم. لكن هيغل لم يكن ذلك الشخص الذي يخضع لفريق من الهواة، ولم يكن ليتخلى عن وضوحه إزاء إدارة عرف عنها الارتباك، فاختار الصدام ودفع الثمن.

في ظل الأزمات التي تعصف بالعالم، وفي قمّة الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، جاء خروج وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل من الإدارة الأميركية بمثابة الخطوة التي عزّزت الشكوك حول الانقسامات الحادّة في صفوف الفريق المقرّب من الرئيس باراك أوباما، خاصة مجموعة الأمن القومي والدفاع.

ويعتقد الكثيرون أن إدارة سوزان رايس لفريق الأمن القومي غير مناسبة، وبدأ الهمس يعلو من داخل الإدارة وخارجها بأن رايس خرجت عن إطار موقعها كمستشارة للأمن القومي في البيت الأبيض وباتت تفرض سياستها على الجميع، بما في ذلك أعضاء الحكومة.

ولعبت العلاقة الممتدة بين رايس وأوباما، منذ حملته الانتخابية الأولى عام 2008، دورا منح مستشارة الأمن القومي سلطات واسعة. واستغلت رايس قربها من الرئيس لتوسيع صلاحياتها، ودأبت على تعيين كثير من المساعدين، حتى وصل العدد الإجمالي للموظفين في هيئة الأمن القومي داخل البيت الأبيض إلى 400 موظف، وهو ما جعل الكثير من الملفات تمرّ بسلسلة طويلة من الباحثين والمحلّلين قبل أن تعرض على الرئيس.

وعلى ما يبدو فإن طريقة إدارة رايس، ومن ثم البيت الأبيض، لملفات الأمن القومي لم ترق لهيغل الذي أعرب عن استيائه في مرات عديدة من تسلّط وعجرفة رايس ومساعديها.

لكن سوزان رايس لم تكن وحدها التي سبّبت ازعاجا مزمنا لوزير الدفاع الأميركي المستقيل، فالقائمة تضم كذلك كبير موظفي البيت الأبيض، دينيس ماكدونو، وكذلك فاليري جاريت، المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، وأقرب شخصية في الإدارة لأسرة الرئيس باراك أوباما.

معظم المهتمين بملف تنظيم الدولة الإسلامية يدركون أن الحرب ضده ستنتهي بالفشل إذا ما استمرت على نفس الوتيرة

ويقول مقرّبون من دوائر صنع القرار في واشنطن إن فريق البيت الأبيض يتعامل مع أعضاء الحكومة باعتبارهم موظّفين صغارا، كما أنه بات من المعتاد في الولايات المتحدة تجاهل وزير أو موظّف كبير عند اتخاذ قرار بتغيير السياسات داخل وزارته، وهو ما أصاب معظم المؤسسات الأميركية بالارتباك.

ورغم أنّه كان من المعروف أن هيغل وأوباما يحملان لبعضهما احتراما متبادلا، إلا أن معظم من تعامل معهما عن قرب أكد أن هيغل لم يخلق للعمل مع أوباما أو ضمن فريقه.


استقلالية لم تعجب مستشاري الرئيس


كان هيغل يتمتع بخط اتصال مباشر بالرئيس، ولجأ إلى استخدام هذا الخط يوما بعد اجتماع صاخب جمع أعضاء في الحكومة والرئيس وفريقه للأمن القومي للتعبير عن حنقه للتجاهل الذي لقيه في هذا الاجتماع، وأخذ يعاني منه لفترة طويلة، إلا أن أوباما لم يعد ذلك الرئيس الذي وعد، عند ترشّحه للمنصب، بالاستماع إلى كل الأصوات والآراء.

لكن تشاك هيغل لم يكن أيضا ذلك المسؤول الذي قد يقبل بالدخول إلى الحظيرة في هدوء. فطبيعة شخصية وزير الدفاع الأميركي السابق لا تسمح له بإخفاء أرائه في الأماكن العامة أو عن وسائل الإعلام أو في قاعات الكونغرس.

هيغل لم يخلق للعمل مع أوباما أو ضمن فريقه

ولم تشكّل الرغبة الملحة في عدم إخفاء أرائه وحدها الإطار العام لعلاقة هيغل بأوباما، فالسياسي الجمهوري المعروف لطالما اعتدّ بنفسه في ظل الاحترام الواسع الذي يتمتع به في الأوساط الأميركية أو الدولية، ومن ثم لم يكن ليتحول إلى أداة في أيدي فريق ينظر إليهم كهواة، يقودهم رئيس معزول يسهل التأثير عليه.

هناك أيضا عامل محوري أثّر على قرار الرحيل الذي اتخذه هيغل، وهو ملف الشرق الأوسط. فمع الوقت، بدأ وزير الدفاع السابق يشعر بأن سياسة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط تسير في الاتجاه المغاير لذلك الذي فهمه واتفّق عليه مع أوباما قبل موافقته على توليه المنصب الحساس.

مشكلة أخرى تتمثل في أن هيغل معروف بالاستقلالية، وهي طبيعة عمل قال كثيرون إن رايس لا ترغب في أن يتحلى بها أي من من يعملون معها. فقد أعلن هيغل في أكثر من مناسبة أنه نادم على التصويت بالموافقة على غزو العراق ضمن الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس عام 2002.

وفي عام 2007 صوّت هيغل مع خصومه الديمقراطيين على سحب القوات الأميركية من العراق خلال 120 يوما، وبعد تركه للكونغرس صرح في العام 2011 بأن الوقت حان لكي يعود الجيش الأميركي أيضا من أفغانستان.

لكن المفارقة تكمن في التشابه، الذي يصل إلى حد التطابق أحيانا، بين أراء هيغل وأوباما. فقد كان هيغل وزيرا للدفاع على طراز برينت سكوكروفت (مستشار الأمن القومي للرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش) وكولن باول (وزير الخارجية في إدارة الرئيس بوش الابن)، واشترك معهما في العقيدة المترددة إزاء التدخّلات العسكرية في الخارج، وضمن هذه التدخّلات تأتي منطقة الشرق الأوسط دائما على رأس القائمة.

وعندما تولى هيغل وزارة الدفاع كانت رياح الأزمات تعصف بالمصالح الأميركية في كل مكان. فدول عديدة في الشرق الأوسط تتجه إلى التفكك والانهيار، في ذات الوقت قرّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضمّ شبه جزيرة القرم والدخول في مغامرة في مناطق واسعة من أوكرانيا، إلى جانب إقدام كوريا الشمالية على إجراء اختبارات لصواريخ باليستية وضعت واشنطن في حرج بالغ، ناهيك عن الانقلابات العسكرية في أفريقيا، والطلبات اللانهائية لأعضاء الكونغرس، واستهلاك الجمهوريين لقضية تفجير السفارة الأميركية في مدينة بنغازي الليبية، ومشكلات الجيش اليومية.

هيغل لم يكن ليقبل أن يتحول إلى أداة في أيدي فريق ينظر إليهم كهواة يقودهم رئيس معزول يسهل التأثير عليه

أحداث أخرى أيضا كان لها دور في إرباك الإدارة الأميركية، فقد تولى هيغل وزارة الدفاع مع نهاية حربين كبيرتين استمرتا لسنوات. غير أنه بعد مرور عامين على انضمامه إلى الادارة الأميركية يبدو أن إرسال قوات إلى العراق بات أمرا حتميا من جهة، بعد مدّ فترة بقاء القوات الأميركية في أفغانستان من جهة أخرى.


صعود نجم الحركات الجهادية


ولاية هيغل في وزارة الدفاع اصطدمت بصعود الحركات الجهادية والمتشدّدة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأس تلك الحركات تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا، وما تبع ذلك من انهيار جزء كبير من الجيش العراقي، وسيطرة التنظيم بالتالي على مساحات وساعة في شمال العراق وغربه، إلى جانب تمكّنه من إزالة الحدود مع سوريا وربط مناطق نفوذه في الدولتين ببعضها.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن معظم الأشخاص المهتمين بملف “الدولة الإسلامية” داخل الإدارة الأميركية يدركون أن الحرب على هذا التنظيم المتطرف ستنتهي بالفشل إذا ما استمرت على نفس الوتيرة الحالية.

ويؤكّد الدبلوماسيون أن الأميركيين على علم بأن “المعارضة السورية المعتدلة” تتعرض للإنهاك وأنها آخذة في التقلص إلى أن تصبح مع مرور الوقت غير موجودة في ساحات القتال، ومن ثم باتت هذه المؤشرات بمثابة مسببات إزعاج وارتباك لإدارة أوباما.

وهذا الارتباك مردّه إدراك الأميركيين لعدم وجود حلفاء أقوياء لهم على الأرض، باستثناء بعض الفصائل الكردية التي دخلت في قتال عنيف مع تنظيم داعش، بالإضافة إلى حقيقة أخرى تتمثل في أن هذه الوحدات الكردية ليست على نفس الدرجة من التجهيزات والقدرات القتالية مقارنة بنظيرتها في العراق (البيشمركة).

ولا يعني تسليح وتدريب المعارضة أو الجماعات الكردية المقاتلة في سوريا حلّا للمشكلة. فهناك تركيا ومطالبتها الملحّة بضرورة إسقاط نظام الأسد حتى تنضم إلى قوات التحالف في الحرب على المتشددين. وكان هيغل يرقب كل هذه الفوضى من بعيد بقلق بالغ، وهو ما وضعه في الجانب “الشاذ” داخل الإدارة.


الوقوف في المناطق الرمادية

ولاية هيغل في وزارة الدفاع اصطدمت بصعود الحركات الجهادية والمتشدّدة


يقول محللون إن الولايات المتحدة تحت إدارة أوباما لم تعد ترغب في القيام بدورها التقليدي في العالم تجاه القضايا الملحة، وإنما باتت تقف في منطقة رمادية إزاء كل قضية تطرح.

وأضافوا أن على الأميركيين أن يقتنعوا بأنه إن لم يكن هناك رغبة كافية لديهم للتدخل في الشؤون الدولية بصفة عامة، فإن على واشنطن أن تبقي خسائرها المالية والعسكرية في الداخل وأن تذهب بعيدا.

لكن يبدو أيضا أن أوباما، الذي يبدي دائما في جلساته الخاصة أنّه كان يتمنى لو ينفض يداه عن الأزمة السورية، مازال مغلول اليدين عن فعل ذلك.

ويقول أحد مستشاريه، الذي لم يشأ الكشف عن هويته، إن الرئيس “حتى وإن أراد الانسحاب من سوريا، فإنه لن يستطيع فعل ذلك تحت وطأة استمرار سياسة الذبح والتنكيل التي يمارسها تنظيم الدولة الإسلامية”.

وقال أحد المشاركين في نقاش، عقد الأسبوع الماضي حول سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، “طالما ظل تنظيم الدولة الإسلامية يستهدف الأميركيين، فإن الرئيس لن يكون بإمكانه أن يقف ويقول إن سوريا ليست مشكلتنا”.

وأكدت صحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية، في افتتاحيتها يوم الخميس الماضي، أن رفض أوباما إرسال قوات قتالية لمواجهة تنظيم داعش يعيق الجهود العسكرية لدحر التنظيم الذي أزهق حياة العديد من الأميركيين.

وأضافت أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد يعتقد أن تفادي المواجهة العسكرية من الممكن أن تكون سياسة ناجعة، لكن أعداء أميركا من المرجّح أن يعتبروا ذلك علامة على تزايد عجزها.

وكان هيغل يتفق مع وجهة نظر هؤلاء، ولطالما حثّ الرئيس الأميركي على اتخاذ مواقف أكثر وضوحا تجاه القضايا العالقة في الشرق الأوسط، لذلك يرى كثيرون أن دائرة المساعدين القريبة من الرئيس الأميركي ارتأت أن تعاقبه على مواقفه، وهو ما يمكن أن يفسّر أبعاد الحملة التي تخرج يوميا من البيت الأبيض وتروج إلى أن تشاك هيغل لم يختر أن يترك المنصب بإرادته، لكنه طُرد منه. ويقول المستشار في البيت الأبيض “إذا اختار تشاك هيغل الإذعان لقرارات مساعدي الرئيس الأميركي، فلم يكن ليُجبر على الاستقالة”.


اقرأ أيضا


أوباما يواجه صعوبة في اختيار وزير دفاع جديد

6