خروج شياطين العلاقات الروسية – التركية

الجمعة 2015/11/27

يثير إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية كلّ الهواجس التي طبعت تاريخ العلاقات بين البلديْن منذ ما يزيد على قرن ونصف قرن، أي منذ حرب القرم بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية منتصف القرن التاسع عشر، مرورا بالمجازر التي ارتكبها الجانبان وكان من أبرز ضحاياها الشركس والأرمن.. وصولا إلى سعي روسيا إلى أن تكون شريكا في وراثة تركة الدولة العثمانية.

جاءت الثورة البلشفية في العام 1917، أي بعد سنة من اتفاق سايكس – بيكو الذي كانت موسكو طرفا فيه، لتحرم الاتحاد السوفياتي من حصّة في المنطقة. كان على الحكام الجدد للكرملين الاهتمام، بداية، بالداخل وببناء الاتحاد السوفياتي بدل التمدّد في اتجاه المياه الدافئة. ما لبث الكرملين أن جهد لتعويض ما فاته، خصوصا خلال الحرب الباردة. كانت سوريا في كلّ وقت نقطة تركيز سوفياتية. بقيت محطّ اهتمام روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. أثبت فلاديمير بوتين عندما تدخّل عسكريا في سوريا قبل شهرين أن روسيا ما زالت تعتبر سوريا منطقة نفوذ متجاهلة أن هناك تركيا جديدة، على رأسها رجب طيب أردوغان الذي لا يبدو مستعدا بأي شكل للعب دور المتفرّج على التحولات التي يشهدها بلد لديه حدود طويلة مع تركيا.

كان إسقاط الطائرة الروسية في الأراضي السورية رسالة فحواها أن تركيا موجودة أيضا في سوريا. كان رجب طيب أردوغان يردّ على قول علي خامنئي وفلاديمير بوتين بعد أربع وعشرين ساعة من اجتماعهما في طهران أن وجهة نظرهما “موحّدة” ويرفضان “أيّ محاولات خارجية لإملاء فرضيات في شأن تسوية في سوريا”.

كلّ ما فعلته تركيا أنّها أبلغت الجانبيْن الروسي والإيراني بأن ليس في الإمكان تقرير مصير سوريا ومستقبلها في غيابها. إذا كان من تقسيم لسوريا، فهي مصرّة على أن تكون لديها حصّتها من البلد.

يشير إسقاط المقاتلة الروسية إلى أن كلّ الأطراف المعنية مباشرة بالموضوع السوري باتت تعتبر قضية مستقبل بشار الأسد قضية منتهية، فيما السؤال هل لا يزال واردا إنقاذ بعض المؤسسات كالمؤسسة العسكرية مثلا التي استثمرت فيها روسيا منذ خمسينات القرن الماضي، خصوصا في صفوف الضبّاط العلويين؟

بالنسبة إلى تركيا، جاء الآن وقت تقسيم سوريا وفق مصالح محددة تأخذ في الاعتبار مصالحها. بات مفهوما ماذا تريد إيران، كذلك معروف ماذا يهمّ روسيا. ترفض تركيا وضعها أمام أمر واقع تفرضه الميليشيات المذهبية التابعة لإيران والقوّة العسكرية الروسية. ترفض تركيا الاستسلام لخيار تقاسم إيران وروسيا لسوريا.

لن تستسلم تركيا للمنطق الروسي والإيراني القائل إن الأولوية للحرب على “داعش” وذلك إخفاء لعناوين أخرى. صحيح أن “داعش” يمثل تهديدا للأمن والسلام الدوليين وأنّه تنظيم إرهابي من الدرجة الأولى استفاد، إلى حدّ كبير، في مرحلة معيّنة من تسهيلات تركية ومن مدرسة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها أردوغان، لكن الصحيح أيضا أنّ ليس في الإمكان الفصل بين “داعش” والنظام السوري. لا يمكن محاربة “داعش” والسعي، في الوقت ذاته، إلى حماية النظام السوري. التخلص من النظام خطوة أولى على طريق القضاء على “داعش”. لم يكن لـ”داعش” أن ينمو وأن يتمدد لولا النظام السوري ولولا ما فعلته إيران في سوريا والعراق. لم يكن لـ”داعش” أن يسيطر على كلّ هذه المساحة من الأراضي السورية والعراقية لولا النظام السوري ولولا السياسة الإيرانية في هذين البلدين العربيين، أقلّه نظريا.

تدخّلت إيران في سوريا من منطلق مذهبي بحت. لم ترسل “حزب الله” وميليشيات عراقية وأفغانية وباكستانية لقتال الشعب السوري، إلا تحت شعارات مذهبية مثل حماية المقامات الشيعية، على رأسها تلك القريبة من دمشق.

في العراق، عملت إيران كلّ شيء من أجل استكمال عمليات تطهير ذات طابع مذهبي، خصوصا في بغداد. جاء بعد ذلك تشكيل “الحشد الشعبي” من أجل قتال السنّة العرب وتهجيرهم من مناطق معيّنة، وذلك تحت غطاء الحرب على “داعش”.

ما فعلته إيران بالتواطؤ مع النظام السوري، أدّى إلى خلق حواضن لـ”داعش” في كلّ من سوريا والعراق. كان الهدف واضحا كلّ الوضوح في كلّ وقت من الأوقات. كان الهدف محاولة إنقاذ النظام السوري بحجة أن الخيار بينه وبين “داعش” وأن بشّار الأسد يظلّ أفضل من “داعش”. كانت النتيجة أنّ المستفيد الأوّل من هذه الممارسات الإيرانية “داعش” ولا أحد آخر غير “داعش”.

الملفت أن روسيا، ركّزت، منذ باشرت تدخلها المباشر في سوريا، على الفصائل السورية التي تقاتل النظام. كانت الضربات الموجّهة إلى “داعش” قليلة جدا. لم تحدّ من نشاط “داعش” بأي شكل، بل زاد هذا النشاط منذ بدء الحملة العسكرية الروسية، وشمل بين ما شمل، تنفيذ عمليات إرهابية طالت طائرة الركّاب الروسية التي سقطت فوق سيناء، وبرج البراجنة في ضاحية بيروت، وباريس.

بعد إسقاط الطائرة الروسية، يتبيّن أنّ هناك سياسة تركية أكثر هجومية، خصوصا بعد الانتصار الذي حقّقه رجب طيب أردوغان في الانتخابات الأخيرة. كان الرهان الإيراني والروسي، وكذلك رهان بشّار الأسد على أن أردوغان سيخرج ضعيفا من هذه الانتخابات. على روسيا وإيران والنظام السوري أخذ العلم بأنّ أردوغان المطالب برحيل بشّار الأسد أوّلا أصبح أقوى، بل صار الحاكم بأمره في تركيا، وذلك بحسناته وسيئاته الكثيرة.

جاء إسقاط الطائرة الروسية لتذكير كلّ من يعنيه الأمر بأن ليس في الإمكان تجاهل تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، بعد الآن. إذا كان من تقاسم لسوريا، فإن الشمال السوري تركي لا أكثر ولا أقل. حلب مدينة تركية، كذلك المناطق المحيطة بها.

أكّدت إيران وجودها في سوريا عبر خبرائها الذين أرسلتهم لنجدة بشّار الأسد وعبر ميليشياتها المذهبية. كذلك فعلت روسيا عبر طائراتها وجنودها المنتشرين في اللاذقية ومحيطها. تؤكد تركيا وجودها عبر إسقاطها الطائرة الروسية. تؤكّد، أيضا، أنهّا لن تسمح بلعب ورقة أكراد سوريا ضدّها.

في الواقع أثبتت تركيا، بإسقاط الطائرة الروسية، أنّها أيضا لاعب في سوريا وشريك في تقرير مصيرها، بغض النظر عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية متواطئة مع موسكو وطهران أم لا. جرّت أنقرة واشنطن في نهاية المطاف إلى تغطية عملية إسقاطها للمقاتلة الروسية.

فوق ذلك كلّه، بات على روسيا أن تأخذ في الاعتبار أن لديها ما يزيد على عشرين مليون مسلم في أراضيها، وأنّ معظم هؤلاء على علاقة ما بتركيا، عرقيا ومذهبيا.

هناك، بكلّ بساطة، مرحلة جديدة دخلتها الأزمة السورية. خرجت كلّ شياطين العلاقات المتوترة والحروب الروسية – التركية. قد يكون عنوان هذه المرحلة كيف سيكون تقسيم سوريا بعد سقوط النظام، هذا السقوط المريع الذي أجّله التدخل العسكري الروسي، لكنّه لم يستطع الحؤول دونه؟ ما الحصة التركية في سوريا؟

إعلامي لبناني

8