خريجو الجامعات أمام امتحان كسر التحديات للوصول إلى وظيفة الأحلام

ينتقل خريجو الجامعات إلى مرحلة جديدة من الحياة العملية محملين بالأحلام والحماس والطموح ليصطدموا بواقع سوق العمل الذي تحكمه تخصصات معينة وعدد الوظائف الشاغرة، ما يجعل الشباب أمام رحلة جديدة من البحث والعمل للتدريب واكتساب مهارات جديدة تناسب المطلوب.
الأحد 2017/12/03
فرحة التخرج لا تدوم طويلا

تونس - تتكسّر أولى أحلام الشباب فور عبورهم أبواب الجامعات متجهين إلى سوق العمل لتبدأ سلسلة التنازلات بالتدرّج من وظيفة مرموقة بالمؤهل العلمي الذي يملكه خريج الجامعة، ليصل إلى القبول بما هو متاح، وغالبا ما يكون (هذا المتاح) لا يتطلب أيّ مستوى علمي.

تزداد أعداد الخريجين الجامعيين عاماً بعد عام، بينما لا يطرأ الكثير من التغيير على نسبة الوظائف الشاغرة، وينقسم الخريجون أمام هذا الوضع بحسب أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وطموحاتهم، فقد تسمح للبعض منهم بالانتظار للحصول على الوظيفة المثالية التي طالما حلموا بها طوال فترة الدراسة الجامعية وتحقق لهم هدفهم بالوضع المادي والمكانة الاجتماعية المرموقة.

في المقابل يرفض القسم الآخر من الخريجين فكرة انتظار الوظيفة ويتّجهون إلى خيارات أخرى منها التدريب ورفع مستوى المهارات أو العمل بشكل مؤقت في أيّ وظيفة إلى أن يجد الفرصة التي يطمح إليها.‏

بسام عورتاني: الشباب يمثلون مصدر الطاقة الاجتماعية التي تستطيع تغيير الواقع المزري لكنهم يعانون من نكسات جوهرية تجعلهم أكثر تشاؤما وإحباطا

نظرة عملية

يرى شباب من ذوي النظرة العملية في الحياة أن العمل مطلوب للشباب ولو لم يكن في مجال الدراسة التي قضوا فيها سنوات من أعمارهم، وبالتالي لا يمتنعون عن العمل في أعمال صغيرة، سواء في المحال التجارية أو السكرتارية في الشركات أو المهن الاحترافية واليدوية المتعددة التي لا تتطلب تخصصاً أكاديمياً بعينه، وعلى الرغم من الإحساس دائماً بالرغبة في عمل أفضل وأقرب لاهتمامات الشاب إلا أنه يمكن أن يقتنع أن هذا العمل أفضل من البطالة، كما أن الشباب يستفيدون من ذلك بإضافة خبرات جديدة في الحياة العملية إلى رصيد خبراتهم.‏‏

وتقول شيخة الجنيد، أستاذة علم النفس في جامعة البحرين، “ليس هناك معايير محدّدة تحكم على القرارات التي سيتخذها الطالب ليقرّر ماذا سيكون عليه بعد التخرج في الجامعة، إنما يعتمد على الظروف التي قد يواجهها في ذلك الوقت، فليس كل شيء نستطيع الحكم عليه حيث أن العلوم الإنسانية تختلف وتتغير بتغيّر الزمان”.

وأضافت أن “القرار الرئيسي يكمن في الفرد نفسه وتفكيره، وبالاعتماد على ما يريده، فلا بد من أن تكون للفرد دافعية للإنجاز وبذل المستطاع لتحقيق ما يسعى إليه”.

وأشارت إلى أن “للعائلة والأصدقاء أيضاً دورا أساسيّا في تحديد هوية الفرد بعد التخرج حيث يتأثر بالمحيطين به، وأيضاً من خلال الاستشارات والنصائح التي يتلقاها منهم فيلعب ذلك دورا في اتخاذ قراراته”.

تحدي الثقافة الوظيفية

يعتبر العمل الحر خيارا مقبولا بالنسبة إلى البعض من الخريجين ومناسبا لبيئة العمل التي تحتاج جهود هؤلاء، وهو نموذج جيد لشباب تحدوا الثقافة الوظيفية السائدة في المجتمع العربي والتي لا تزال تقوم على تفضيل العمل الحكومي على الرغم من انخفاض الأجور الحكومية مقارنة بنظيرتها في القطاع الخاص.

واتجه خريجون إلى إنشاء مشاريع خاصة بهم وتعدّ نوادي الإنترنت وخدمات المحمول وبالأخص في مصر من أكثر المشاريع التي أقدم الشباب عليها، واستطاعوا مواجهة الكثير من الصعوبات في بداية الأمر خاصة فيما يتعلق بالتمويل والخبرة، ومن الملاحظ ازدياد عدد المشروعات الصغيرة التي تقوم على رؤوس أموال محدودة تقلل من حجم المخاطرة لشباب ما زالوا في بداية مسيرتهم المهنية.

نظرة نحو المستقبل

ومن جهة أخرى استطاع البعض الآخر أن يستفيد من القروض الصغيرة التي تقدمها الدولة لإنشاء المشاريع الخاصة، والتي يرى هؤلاء الشباب أنها تحقق طموحاتهم دون انتظار لمن يقدم لهم فرصة وظيفية قد لا تتناسب في كثير من الأحيان مع مؤهلاتهم وقدراتهم.

ويتفاجأ الشباب بعد التخرج بمرحلة جديدة لم تكن في حسبان الكثير منهم، وهي مرحلة التأهل لسوق العمل عبر اكتساب مهارات إدارية ولغوية ومهنية وأهمها اللغات الأجنبية باعتبارها أحد مفاتيح العمل الأساسية ومن متطلبات النجاح في الحياة العملية خاصة في العمل بالشركات الكبرى، لكن ضعف مستوى التعليم الرسمي للغات الأجنبية في غالبية الدول العربي جعلها عقبة في وجه الطلاب وهم يحتاجون إلى تجاوزها قبل الدخول لسوق العمل، وفي مقدمتها اللغة الإنكليزية باعتبارها اللغة الرسمية لـ85 بالمئة من المنظمات العالمية، وهي لغة التداول الأولى لكل من يعمل في المجال التكنولوجي أو التجاري أو السياحي، وغالبية الأبحاث العلمية والمراجع والمصطلحات والمال والأعمال ولغة المؤتمرات الدولية وقواعد المعلومات الإلكترونية.

يرى محمد سليمان، أستاذ لغة إنكليزية في دمشق، أن اللغة الإنكليزية لا تزال تحتفظ بالمركز الأول بين لغات العالم كلغة للتواصل في الأعمال التجارية حول العالم، وأصبحت مسيطرة في الدول التي تتحدث لغات أخرى إلى جانب اللغات المحلية، وبات تعلّمها من ضروريات الحياة العملية والعلمية.

ويقول سليمان في منشور على صفحته في فيسبوك إن لديه طلابا من شرائح مختلفة، يجد البعض منهم صعوبة أحيانا في التعلم ولكن المكاسب التي يحصل عليها الطالب في النهاية على المستوى المهني والشخصي هامة وقيمة جداً في فترة ما بعد الدراسة وفترة الحياة المهنية.

ولا تقتصر المهارات المهنية على اكتساب اللغة فقط بل هناك اتجاه من الخريجين إلى تعلم المهارات الإدارية العامة، ونشأت جمعيات في العديد من الدول تسعى لإكساب الشباب هذه المهارات للتعامل مع السوق وكسب الثقة، بينما اتجه آخرون للتدريب في مجال عملهم الأصلي حتى ولو بدون مقابل، معتبرين أن العمل في حد ذاته ولو على سبيل التدريب يفتح الآفاق أمام الشاب للتعرف على احتياجات سوق العمل والأماكن التي يمكنه التقدم لها ومدى الخبرة ونوعها التي يلزمه اكتسابها.

شيخة الجنيد: ليس هناك معايير محددة تحكم على القرارات التي سيتخذها الطالب ليقرر ماذا سيكون عليه بعد التخرج

يخطّط البعض من الطلاب للتعمق في الدراسة الأكاديمية كوسيلة للحصول على فرصة أفضل للعمل وخاصة في المراكز البحثية والجامعات المفتوحة والإقليمية والتي تطلب من آن إلى آخر معيدين للعمل بها، ويرى الكثير من الخريجين أن الانخراط في الدراسات العليا يعود بكمّ هائل من الفائدة على الدارسين حيث تؤهل هذه الدراسات الخريجين للحصول على وظيفة مناسبة في مراكز البحوث أو قد يستطيع البعض أن يحقق حلمه في أن يصبح من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة بعد أن كان قد فقد الأمل في أن يحدث ذلك.

وقد تقف أمام إتمام هذه الدراسات صعوبات بالنسبة إلى الشباب الذين بدأوا في العمل أو في مرحلة التدريب لأنه في أغلب الكليات تحتاج هذه الدراسات للتفرغ التام.

وينظر البعض من الطلاب للدراسات العليا باعتبارها وسيلة لشغل وقت الفراغ عقب التخرج ليس إلا، الأمر الذي لا يشجع على خوض التجربة.

للخريجات خيارات أخرى

وتقفز احتياجات المنزل والأسرة إلى اهتمامات بعض الطالبات فجأة بعد التخرج نتيجة الإحباط والفشل في الفوز بالوظيفة المنتظرة، ورغم أن بعضهن اتجه للعمل أو للتدريب واكتساب المهارات في سبيل الحصول على فرصة عمل، إلا أن أخريات كان لديهن رأي آخر حيث تقول شيماء من تونس في صفحتها على فيسبوك أنها قررت بعد التخرج مباشرة الزواج وأن تكون ربة منزل لا يشغلها العمل عن النجاح في البيت. وتضيف “بالفعل بدأت أجيد الطهي وإدارة المنزل وأرى أن أعباء الحياة الزوجية ومسؤولياتها كفيلة بشغل أوقات فراغي.

يقع الشباب والشابات بعد التخرج فريسة الاكتئاب عند اصطدامهم بالواقع وانكسار الأحلام، وخاصة لدى الطالب الجامعي الذي يكون سقف التوقعات لديه عاليا نسبيا، ورصدت دراسة جديدة نشرت مؤخرا في موقع “ميترو” البريطاني انتشار نوع من أنواع الاكتئاب لدى الشباب يعرف باسم “اكتئاب ما بعد التخرج”.

وأحد الأسباب وراء الإصابة بهذا النوع من الاكتئاب المحاصرة بأسئلة من الأصدقاء والعائلة حول الخطة التالية، فضلاً عن أن الدراسة الجامعية تضع الطالب ضمن نظام معين وفقدان هذا النظام يترك العديد من الخرجين يشعرون بالضياع.

ومما يضاعف اكتئاب ما بعد التخرج أيضًا تفكير الشاب في أن الحصول على وظيفة الأحلام تبدو حلمًا بعيد المنال خاصة أنه خاض تجربة مقابلة العمل أكثر من مرة ولم ينجح في الحصول على وظيفة.

المهن اليدوية أحد ملاذات الشباب

وقالت الدراسة أن تجاوز الاكتئاب يبدأ بإجراء بعض التغييرات في نمط الحياة فلا يجب الاستسلام للنوم وقضاء الوقت في المنزل وإنما تجب إعادة التواصل مع الأصدقاء والخروج من البيت وممارسة بعض التمارين الرياضية.

وقالت الشابة التونسية نجلاء الجبالي إنها تشعر بالتشاؤم لوجودها في بلد نام مثل تونس، تتفاقم فيه البطالة وتنعدم فيه الآفاق.

وعبرت نجلاء في تصريح لـ”العرب” عن خوفها من المستقبل وممّا يخبئه لها ولأبناء جيلها، معربة عن أسفها للموجة المرتفعة من الشباب المنتحرين، الذين ملوا الحياة وما فيها، جراء انعدام فرص التشغيل وكثرة التهميش، وخاصة في مناطق الشمال الغربي التي هي من سكانها وتعاني من البطالة منذ سنوات طويلة، ولم تشفع لها شهادتها الجامعية في الحصول على شغل يحفظ كرامتها، ويجعلها تشعر أن سنوات الدراسة الطويلة لم تضع هدرا.

ويرى بسام عورتاني، الباحث الفلسطيني المختص في علم الاجتماع في تصريح لـ”العرب” أن الشباب الفلسطيني يعد الفئة الأكثر تأثرا بالنكسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لبلاده.

وقال “إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الشباب يمثلون مصدر الطاقة الاجتماعية التي تستطيع تغيير الواقع المزري الحالي بكل حيثياته، فهم على الرغم من ذلك يعانون من نكسات جوهرية تجعلهم أكثر تشاؤما وإحباطا”.

وأضاف “من أسباب النظرة السوداوية للشباب العربي عموما والفلسطيني خصوصا: ارتفاع نسبة البطالة، وعدم توفر أفق مهني واضح، وإقصاؤهم من المواقع القيادية وعدم السماح لهم بممارسة حقوقهم النقابية، وكل هذه الأسباب تحول دون إدماج طموح الشباب في الحقل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي”.

واستدرك الباحث الفلسطيني “لكن بالإضافة إلى ذلك فالشباب الفلسطيني يقبع أيضا تحت وطأة الاحتلال ولا يسلم من القتل والاعتقال والتهجير، فضاق الخناق عليه في بلاده، وأصبح يبحث عن فرص عمل في بقية الدول العربية، وحتى هذا لم يعد متاحا في ظل أزمات اقتصادية عربية بالجملة، وبالتالي طموحه بات مرتبطا بحلم الهجرة الخارجية، إذ وصلت نسبة من يرغب في الهجرة من فئة الشباب إلى 63 بالمئة”.

19