خريجو الجامعات في بغداد يختصون في تجارة "البسطة"

اتجه العشرات من خريجي الجامعات العراقية في ظل غياب سياسة لتوظيفهم إلى تجارة “البسطة” لتكون مصدرا لرزقهم، فافترشوا الأرصفة أمام المحال التجارية والساحات الفارغة التي تمتلئ بها بغداد، لكونها كما توصف من قبل العاملين بها المهنة الأفضل في الوقت الحالي بدلا من الانتظار الذي يدفع الكثيرين إلى الإقدام على القيام بأعمال قد لا تكون مرضية لهم ولأسرهم، إلا أن الظروف الصعبة والفقر حالا دون إيجاد البدائل عنها.
الخميس 2015/11/19
البسطات دكاكين للفقراء

بغداد - تظاهر العشرات من الكسبة وأصحاب البسطات، في بغداد من أجل المطالبة بإعادة “جنابرهم” التي رفعت من قبل قوات الأمن، مرددين هتافات غاضبة، كون تلك الجنابر هي مصدر رزقهم الوحيد وبدونها لا يستطيعون تأمين لقمة العيش لعوائلهم.

وتأتي هذه المظاهرات من أجل عدم الإقدام على إزالة “البسطات” التي أصبحت ملاذا للعاطلين عن العمل، خاصة من الخريجين الجامعيين، وتوفير فرص العمل لهم في الوقت الذي لا تطرح فيه الحكومة بديلا لهذه المهنة التي تدر القليل على أصحابها.

وتعتبر البسطة (مصطلح شعبي عراقي يعني بضاعة معروضة على الرصيف) مشروعا متواضعا للعراقيّ يدرّ عليه ربحا بسيطا، ولجأ إليها خريجو الجامعة الذين لم يجدوا وظائف ليوفروا قوت يومهم.

ويمكن تقسيم أصحاب البسطات إلى فئتين، أولاهما فئة الباعة الأصليين الذين اتجهوا إلى تجربة حظوظهم في مهنة البيع والشراء في الهواء الطلق، وهؤلاء يمكن أن يقتربوا في عملهم من أصحاب المحلات غير أنهم يختلفون عنهم في كونهم لا يدفعون الإيجار.

أما الفئة الثانية فيمثلها أولئك المواطنون الذين تدفعهم البطالة ونقص الحاجة إلى البحث عن فرص لإيجاد مصادر عيش غير مضمونة. وأكثرهم من خريجي الكليات والمعاهد الذين تفاقمت أزمتهم بعد 2003.

وتتراوح البضاعة التي يتداولها أصحاب البسطات بين الألبسة الرجالية والنسائية وألبسة الأطفال والأحذية والتجهيزات المنزلية وبيع الفواكة والخضار.

فيما يعرض البعض الآخر، بضاعة قديمة تختلط فيها الإكسسوارات القديمة والعملات الصدئة والملاقط والسبح والأسلاك أي أسواق الخردة.

ويقول الطالب شاكر، إن البطالة هي التي أجبرته على الجلوس على الرصيف لممارسة البيع والشراء لمساعدة عائلته على توفير مصدر رزق مؤقت إلى حين تخرجه، وربما لن يجد عملا في القطاع الحكومي بعد تخرجه أسوة بالآلاف من الخريجين، عندها سيستخدم خبرته المكتسبة في سوق الأرصفة لإعالة نفسه وعائلته.

تاجر بسطة: (أنا وآلاف العاطلين مدينون لتجارة الموز والسجائر التي أنقذتنا من البطالة ووفرت فرص عمل للخريجين، أكثر بكثير من فرص العمل التي وفرتها لهم الحكومة)

ويضحك شاكر لسذاجة تفكير البعض الذين يعتقدون أن أصحاب “البسطات” ينالون عطف أصحاب المحلات التجاريّة الكبيرة، فيسمح لهم هؤلاء بفرش بضائعهم على الأرض، فهو يدفع لصاحب المتجر الذي ينتصب أمام محله مبلغ ثلاثة آلاف دولار أميركي سنويا.

ويقول مهند بكالوريوس آداب “اضطررت للعمل إلى جانب خمسة من زملائي، معظمهم من خريجي كلية الآداب، ببيع الموز في باب المعظم”، ثم انتقل إلى عمل آخر هو بيع السجائر.

ويقول مهند “أنا وآلاف العاطلين عن العمل مدينون لتجارة الموز والسجائر التي أنقذتنا من البطالة ووفرت فرص عمل للخريجين، أكثر بكثير من فرص العمل التي وفرتها لهم الحكومة”.

أما بائع المصابيح الكهربائية التي تعمل بشحن الطاقة أبومحمد فقال “إن أزمة الكهرباء هي التي ساعدتنا على عرض بضاعتنا من مصابيح الشحن ذات المناشئ المختلفة، ولا ندري ماذا سيحل بنا حين تعود الكهرباء إلى وضعها الطبيعي، وأنا استبعد أن يكون ذلك قريبا”.

ويضيف قائلا “إن المشترين يفضلون سلعة ينطبق عليها المثل القائل ‘حار ومكسّب ورخيص’ فنلجأ إلى المنتجات الصينية التي تحقق لنا مكسبا وترضي المشتري في نفس الوقت”. ويقول البائع سمير، خريج إعدادية التجارة وهو يمتلك عربة دفع يدوي يعرض فيها أدوات كهربائية “هناك اختلاف بين ما درسناه في إعدادية التجارة وبين ما يجري هنا. فهم يحاولون استغلال حاجة المواطن والسوق لعرض بضاعة مطلوبة، أما الأرباح فهي محدودة وتتوقف على إقبال الناس على الشراء، لذلك فأنا أحاول جلب أدوات جديدة تختلف عن الأدوات السائدة”.

ويهز الحاج نعمة يده مستغربا ومتهكما ويقول “لا أغنيك ولا أخلي رحمة الله تجيك”، في إشارة إلى غياب البديل في أحاديث المسؤولين الذين يتحدثون عن إزالة تجاوزات أهل البسطات وإقامة المشاريع التي باتت حبرا على الورق.

أصحاب البسطات طرحوا عدة حلول للقضاء على هذه المشكلة منها أن تتجه الدولة إلى توفير فرص عمل لمن يريد أن يعمل في مؤسساتها الصناعية والخدمية، ومنها أن تقوم أمانة العاصمة بتنظيمأماكن هذه البسطات في أكشاك مناسبة موزعة على مناطق مختارة في المناطق والزوايا المختلفة، لكن لا أحد يسمع تجار البسطة.

20