خريجو جامعة غوغل

الثلاثاء 2017/05/16

بسبب العمل صرت أتجاذب أطراف الحديث مع ناس بعيدين جدا، لا أراهم ولكن أكاتبهم ويكاتبونني عبر وسيلة اتصالات إنترنتيّة، هذا يتطلب أن يكون كل منا أمام كومبيوتر، لاحظت منذ اليوم الأول أن هؤلاء يعرفون كل شيء، معرفتهم لا حدود لها وهم فتيان وفتيات دون الثلاثين.

فيهم من هم من بلد بعيد عن العراق لكنهم يعرفون كلمات أغنية “اعزاز” لياس خضر ومن لحّنها ومن كتب كلماتها، ويعرفون بالتفصيل مصدر عبارة “أن تكون أو لا تكون” الشكسبيرية ومن أي فصل، بل ومن أي مشهد ضمن الفصل في مسرحية هاملت.

ويعرفون أين يباع أحسن آيس كريم في الطريق الواصل بين ميلانو وفيرونا في شمال إيطاليا. يستطيعون ترديد أشعار بشار بن برد وأغاني ميلي سايروس بنفس اليسر. يعرفون ويعرفون، ومعارفهم لا حصر لها ومتنوعة.

ولاحظت أيضا شيئا غريبا وهو أن هؤلاء مهما اتسعت وتنوعت معرفتهم لا يعرفون كيف يستطردون. وأنا أكتب هذا العمود تذكرت الشاعر ألكساندر بوب وشعره عن المعرفة وكيف أن القليل منها مؤذ وخطير وكيف أن من ينهل من نبعها عليه أن ينهل بعمق أو لا يشرب أبدا.

شعر ألكساندر بوب والنهل من المعرفة نقلاني فورا إلى الإبل في جيش المسلمين القدامى بين العراق والشام وتعليمات خالد بن الوليد بسقاية الإبل عللا بعد نهل ليكون ريها عميقا مثل المعرفة التي يدعو إليها ألكساندر بوب، هذا تداع، هذا استطراد تمليه المعرفة لكن هؤلاء لا يتداعون ولا رابط موجودا بين شاعر إنكليزي من القرن الثامن عشر وخالد بن الوليد. وهذه معرفة غوغل.

وبعد فترة، ومن جمع القرائن والأدلة، اكتشفت أن هؤلاء خريجو جامعة غوغل. من غوغل يتلقون معرفة قائمة على ارتشاف جرعات صغيرة دون نهل أو علل. غوغل يعطيك حجارة البناء حجرا حجرا ولا يكشف البناء كله.

الأكثر ثقافة اليوم هو الأبرع في استخلاص المعلومة من غوغل بأسرع وقت. يعرف كيف يضع كلمات معينة في الاستفسار. أذكر أني في بدايات محركات البحث وفي عصر ما قبل غوغل كنت أزور موقعا اسمه “آسك جيفز” (أسأل جيفز) وكنت إذا أردت معرفة عاصمة كولومبيا أكتب بتأدب “هل لك أن تخبرني من فضلك ما هي عاصمة كولومبيا؟” أسأل ولا أنسى “من فضلك”.

المعرفة الغوغلية معقمة ومحددة. القواميس الآن على الإنترنت تعطيك معنى الكلمة التي طلبتها لا غير. كنا منذ زمن نطلب كلمة فنفتح القاموس ونقرأ عشر كلمات أخرى قبل المطلوبة وبعدها والعقل يألف الاستطالات والامتدادات ويتعلم. محركات البحث قتلت كل هذا وصار المعمار أحجاره.

24