"خريف العشاق".. دراما حقبوية تبتعد عن جحيم الراهن السوري

علاقات عاطفية أربكتها الإكراهات الاجتماعية والسياسية.
السبت 2021/05/15
سيرة حياة متشعّبة في زمن التحوّلات السياسية

بعيدا عن دراما البيئة الشامية التي اكتسحت المشهد الدرامي السوري في الموسم الرمضاني الأخير بأكثر من عشرة أعمال، شدّ المسلسل الاجتماعي السوري “خريف العشاق” لجود سعيد انتباه الجمهور والنقاد على السواء. ويخوض العمل في قضية اجتماعية وسياسية معقّدة لم تتطرّق إليها الدراما السورية من قبل تتمثل في زواج ثلاثة ضباط بفتيات من طوائف مختلفة ومدى انعكاس ذلك على مسارهم المهني في ما بعد.

دمشق - طرحت ديانا جبور كاتبة المسلسل الاجتماعي السوري “خريف العشاق” الذي عُرض في الموسم الرمضاني الأخير بعدد من الفضائيات السورية والعربية، مجموعة من القضايا النسوية ضمن قالب اجتماعي حقبوي، وذلك عبر حكاية أبطالها ثلاثة فتيات تدور حولهنّ ومن خلالهنّ أحداث العمل الذي أخرجه جود سعيد.

والمسلسل الاجتماعي أثار الجدل قبل سنة من عرضه هذا العام بعد أن رفضت الرقابة نصه الذي تنطلق قصته في فترة السبعينات لتمتدّ إلى الزمن الحاضر، حيث يتزوّج ثلاثة ضباط بثلاث فتيات من طوائف دينية وعرقية مختلفة.

ويستعرض المسلسل على امتداد حلقاته الثلاثين مدى رفض المجتمع لهذا الزواج في تلك الفترة الحسّاسة من تاريخ سوريا، كاشفا تأثيرات الأحداث الاجتماعية والسياسية عليهم بعد الزواج، ومصير هذه الثنائيات الثلاث بعد عدة سنوات.

ومن هناك تطرّقت جبور، واضعة نص العمل عبر ثلاثة نماذج للعشق في زمن متحوّل سياسيا، جُبل أبطالها على ظروف تنقسم بين فوارق البيئة والطبقة والدين نحو التمرّد، رغم التباين الحاصل بين شخصيات هذه الحكايات. والوقوف على تفصيل كل حكاية منها يفضي إلى طرح قضايا نسوية شائكة وجدلية في بعض الأحيان.

فجولييت (التي جسّدت دورها حلا رجب) العاشقة المؤمنة بأن كل شيء يهون في سبيل الحب، لم تتمكّن من الخروج من قوقعة اختلاف البيئة التي تربّت فيها مع تلك التي تربى فيها بدر (محمد الأحمد)، وهو السبب الأساسي الذي جعل أسرتها ترفض علاقتهما منذ البداية، وأفضى ذلك إلى سعيها، أي جولييت، إلى الاستقلال بذاتها عبر بحثها عن عمل يؤمّن لها لقمة العيش الكريم ومنزلا يجمعها بحبيبها، الأمر الذي أدّى إلى ازدياد الهوة بينها وبين بدر دون أن تدري.

أما غريس (ترف التقي) والتي تنتمي إلى طبقة برجوازية، فقد اختارت التخلي عن عالمها المخملي لتعيش عشقها مع مشعل (لجين إسماعيل)، الرجل المبدئي الثائر والمفرط بالشاعرية. لكن كل هذا العشق لم يحصّن العلاقة من خيانة غير مبرّرة من مشعل، الأمر الذي أجّج نيران الاختلاف بين الحبيبين.

أما النموذج الأكثر إرباكا بين الثلاثي، فيتمثّل في نموذج عايدة (علا سعيد)، الفتاة التي تخلت عن أسرتها للارتباط بسعيد (أحمد الأحمد) رغم الفوارق الدينية، وهي شخصية مهزوزة وغير قادرة على المواجهة.

ومع ذلك استطاعت التمرّد على العادات والتقاليد المتوارثة، بل وتخلّت في مرحلة ما عن عائلتها من أجل من تحب، وهي التي رغم حسّها الإيماني الشديد، قدّمت شرفها قربانا لأجل إنقاذ عائلتها الني يتهدّدها بطش “الخال” (أيمن زيدان)، ما يعني أن المرأة لا تتوانى عن التضحية بنفسها إذا ما تعلّق الأمر بمن تحب، خاصة أهلها، وهو الحدث الذي جعلها تعيش ذروة مشكلاتها مع حبيبها سعيد لتجد نفسها أخيرا على سرير الخال.

المسلسل يسرد ثلاثة نماذج للعشق، أبطالها عايشوا مشكلات توزّعت بين فوارق البيئة والطبقة والدين

وهذا الكمّ من الطروحات النسوية وغيرها جاء عبر نص ذكي ومتين تمكّن من مواكبة الزمن المفترض لحكايته، وجعل من هذه الأحداث أسبابا مؤثرة في مسار كل حكاية بخصوصيتها، وهو الأمر الذي واكبه المخرج جود سعيد برسم صورة جميلة ودافئة اللون مع اختيار ذكي لأماكن التصوير، وعمل على إضافة بصريات تزيد من جمالية المشاهد مثل استخدام الانعكاسات في المرايا وبرك الماء.

وتمكّن أحمد الأحمد من تجسيد شخصية سعيد المركّبة والمُربكة بحرفية عالية، فأتت مُتخمة بالسلطة وموغلة في الفساد ومُكبّلة بالخوف رغم الإحساس العالي بالحب.

أما شقيقه محمد الأحمد فقدّم دورا يجمع بين الطيبة والشراسة، القسوة واللين، الحب والكره دون تكلّف أو افتعال، الأمر الذي جعل شخصية بدر تطبع في ذاكرة المُشاهد رغم تناقضاتها ومفارقاتها العديدة، وهو ما انسحب أيضا على الثلاثي حلا رجب وعلا سعيد وترف التقي، اللاتي قدّمت كل واحدة منهنّ على حدة واحدا من أفضل أدوارهنّ منذ انطلاق مسيرتهنّ الفنية.

كل هذا ما كان له أن يتحقّق لولا النص المرهف والعميق لجبور الذي جاء على شاكلة جائحة حب عاصفة طوّقتها معطيات حياتية وسياسية واجتماعية لاهبة، فاشتعلت للحد الأقصى بمنطق تلفزيوني سلس، يسرد حقبة تاريخية سورية مترفة بالمعطيات والأحداث والأسرار المسكوت عنها.

مرحلة مفعمة بالتحوّلات السوسيواجتماعية العميقة استطاع توثيقها سعيد بإخلاصه السينمائي الذي يتمتع به والذي اكتشفه المُشاهد العربي في أفلامه المرجعية “مسافرو الحرب” و”مطر حمص” و”نجمة الصبح”.

فهذه الكتابة السينمائية الخالصة كانت حجر الشطرنج الرابح الذي جعل مسلسل “خريف العشاق” في مقدّمة الأعمال الدرامية الأكثر متابعة في رمضان الماضي، فقد استطاعت عين سعيد السينمائية أن تتفرّد في نقل المشاهد إلى حقبة السبعينات في قالب درامي محترف، مدعّم باحترافية عالية في التصوير والإضاءة والأداء التمثيلي الرفيع لكل من سبق ذكرهم إلى جانب كل من صفاء سلطان وحسين عباس وعبير شمس الدين وغيرهم.

وهذا المسلسل هو ثاني تعاون يجمع بين الشقيقين أحمد ومحمد الأحمد منذ اشتراكهما في العام 2004 في مسلسل “ليل السرار” من تأليف نبيل ملحم وإخراج عدنان إبراهيم.

كما يُعدّ ثاني تجارب سعيد في الإخراج للدراما التلفزيونية بعد مسلسل “أحمر” (2016) الذي تدور أحداثه حول القاضي خالد العبدالله الذي يُقتل في ظروف غامضة، لتبدأ بعدها التحقيقات للكشف عن ملابسات الجريمة ونوايا القاتل، حيث يتم التوصل إلى ماض مهمّ مسكوت عنه، يتعلق بالقاضي المقتول وعمله. وهو عن سيناريو ثنائي لعلي وجيه ويامن حجلي ومن بطولة عباس النوري وسلاف فواخرجي وديمة قندلفت ورفيق علي أحمد وصفاء سلطان.

15