خريف العلاقات المصرية- الأميركية

الاثنين 2013/10/14

لم تعد حالة التربص السائدة في العلاقات بين القاهرة وواشنطن خافية على أحد. فمنذ اندلاع ثورة 30 يونيو- حزيران الماضي وما تلاها من تداعيات سياسية أدت لعزل الرئيس محمد مرسي، والخطوط الواصلة بين مصر وأميركا مليئة بمطبات وعرة، تسببت في تعكير الصفو الذي كان سائدا حتى وقت، وأصبحت العلاقات بين البلدين على المحك، إما أن تتخطى الأشواك المرصوصة على جانبي الطريق، أو تدخل نفقا غامضا، وعلى كل طرف تحمل التكاليف الإستراتيجية الباهظة.

التربص أدى خلال الأيام الماضية لوعكات سياسية جديدة ضاعفت من مناخ عدم الثقة، بعد أن اعتقد البعض أن كلام الرئيس باراك أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي ساهم في التخلص من أحد مظاهرها، عندما اعترف بالتعامل مع السلطات الحاكمة في مصر وانتقد أداء الرئيس المعزول. لكن جاء حديث المساعدات الأميركية ليؤكد أن التوجس أضحى سمة أساسية في العلاقات بين الدولتين. وقد ظهرت هذه النتيجة جلية في تعامل كثير من الدوائر المصرية مع البيان الذي أصدرته الخارجية الأميركية بهذا الشأن يوم 9 أكتوبر- تشرين الأول الجاري، واتسم بعدم الدقة، وطغت عليه الرغبة في تصفية الحسابات على ما عداها من تهدئة. فهذا البيان لم يتضمن جديدا تقريبا، حيال ملف المعونات، ومحتواه الرئيسي أشار إلى استمرار تعليق مجموعة المساعدات ووقف تسليم معدات عسكرية، إلى حين تولي السلطة من قبل حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيا، وشدد البيان على أن بين البلدين شراكة طويلة الأمد والكثير من المصالح المشتركة.

ردود الفعل التي خرجت من جهات مصرية (غير رسمية) مختلفة، إعلامية وسياسية وأمنية، وظفت البيان بصورة سلبية، وكالت المزيد من الاتهامات للإدارة الأميركية، مع أن التصريحات التي خرجت من وزارتي الخارجية والدفاع أبدت حرصا على استمرار العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن والقاهرة. وتكفي الإشارة إلى أن تشاك هيغل وزير الدفاع الأميركي أجرى نحو 20 مكالمة هاتفية مع عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع المصري في غضون ثلاثة أشهر، جميعها شدد على أهمية العلاقات المشتركة. لكن لأن الشكوك في النوايا الأميركية تزايدت بشكل مثير، تم وضع كل تحرك أو تطور تحت «ميكروسكوب» سياسي سلبي، وجرى التعامل مع بيان الخارجية الأميركية على أنه نقلة نوعية للوراء، تضاف إلى نقلات أخرى تعزز تباعد المسافات. ولدى أنصار هذا الاتجاه مبررات منطقية تجعل مخاوفهم من جملة المواقف الأميركية محل اعتبار. فواشنطن لا تزال تمد يد العون، في العلن والسر، لجماعة الإخوان المسلمين، وتسعى لصهرهم في العملية السياسية، وغض الطرف عن جرائمهم، وتقديراتها نحو السلطات الرسمية في مصر مرتبكة.

لم تختلف التصورات المبتورة التي ظهرت في خطاب النخبة المصرية إزاء ملف المساعدات، عن تلك التي رأيناها قبل ذلك بنحو أسبوع، عندما بثت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية تقريرا صحفيا، نقلا عن موقع أميركي محدود الانتشار اسمه «وولد تربيون» أشار على لسان هيو شيلتون رئيس هيئة الأركان الأميركية الأسبق، إلى أن الفريق السيسي أحبط مؤامرة الرئيس أوباما للإضرار بالأمن القومي المصري. وتعاملت معظم وسائل الإعلام مع هذا التقرير وكأنها وجدت دليلا على المؤامرة الأميركية، وتم ترويجه على نطاق واسع، ولم يعط أحد نفسه فرصة التحري عن أصل التقرير وأهمية الموقع الذي وضعه على صفحته، وأطلقت منصات الصواريخ قذائفها الإعلامية تجاه واشنطن، لتعميق الهوة مع القاهرة، لاسيما أن الجنرال هيو شيلتون نفى إدلاءه بأي تصريح بهذا الشأن. كما أن شبكة «سي إن إن» تحدثت في البداية عن خطوات لقطع المساعدات العسكرية لمصر، وليس عن استمرار التعليق. الواضح أن ثمة دوائر في كل من أميركا ومصر، تتمنى زيادة الفجوة، وتسعى إلى إحداث قطيعة، يصعب في المستقبل ترميمها.

ولدى كل طرف حسابات تفرض عليه المضي في هذا الاتجاه. فهناك مصادر ضغط أميركية، ترى أن اللحظة مناسبة «لتركيع» القيادة السياسية والعسكرية في مصر، واستغلال الأجواء المشحونة التي تم فيها عزل محمد مرسى لممارسة ضغوط متنوعة، أملا في تحاشي عزل الإخوان عن المشهد السياسي، ومحاولة توظيف سلاح المساعدات لإرباك المؤسسة العسكرية وخلط أوراقها للاستجابة لأي مطالب أميركية سياسية. ولعل حملات التحريض المتتالية في ملف حقوق الإنسان واحدة من القضايا التي يتم استثمارها. الأمر الذي يفسر أحد أسرار تكالب عناصر الإخوان على «جر شكل» واستفزاز أجهزة الأمن خلال المظاهرات التي تجوب فيها بعض الشوارع، لأن وقوع الكثير من الضحايا يستغل ضدها في التقارير الحقوقية.

في المقابل، لم تتورع بعض أجهزة الإعلام في مصر عن نقل كل ما يسيء للعلاقات مع الولايات المتحدة، والاستفادة من المعلومات التي تبثها بعض المواقع الالكترونية هناك، سواء كانت دقيقة أم غير دقيقة، لتوصيل مجموعة من الرسائل السياسية. أهمها، أن إدارة الرئيس باراك أوباما حاكت فعلا مؤامرة على مصر من خلال دعم الإخوان وتوصيلهم للحكم، ولا تزال مقاطع منها مستمرة حتى الآن، عبر ممارسة ضغوط مكثفة على السلطات الرسمية، وأن ما قامت به المؤسسة العسكرية في مصر عمل وطني بامتياز، أوقف زحف الهيمنة الأميركية، وأحبط ترتيب خريطة المنطقة وفقا لمصالح أكثر تعقيدا.

وفي ظل هذه الاجتهادات والخلافات تتصادم رؤى النخب هنا وهناك، وتبقى التصريحات الرسمية الصادرة في كل من واشنطن والقاهرة منضبطة إلى حد كبير، وحريصة على عدم الانسياق وراء الانفعال، وتخشى الانجرار خلف قنابل الدخان التي تطلقها أوساط متباينة.

الحقيقة أن تجربة الأشهر الماضية، تحمل في أحشائها بوادر للدخول في فصل الخريف، لأن الربيع الذي حرصت الدولتان على بقائه نحو أربعين عاما بدأت مكوناته السياسية تتراجع، ومقوماته الاقتصادية تضمحل، وعناصره الأمنية تواجه بتحديات عميقة. وهو ما يضع المصالح الإستراتيجية على فوهة بركان، يمكن أن ينفجر في أي لحظة، إذا قرر أحد الطرفين قطع الصلة مع المعادلة التقليدية. لكن لأن كليهما يبدو حريصا على عدم الوصول إلى هذه النقطة في الوقت الراهن، سوف تظل العلاقات، في أسوأ حالاتها، قابعة لفترة داخل فصل الخريف، لن تغادره إلى الشتاء (فصل البرودة الشديدة) أو تعود للخلف إلى فصل الصيف (فصل الحرارة الشديدة).

* كاتب مصري

9