خزانة الرحلة

الأحد 2017/02/19

تشكّل الأعمال الفائزة بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، التي دأب “المركز العربي للأدب الجغرافي” على نشرها سنويا، في سياق مشروعه “ارتياد الآفاق”، إضافة نوعية ثمينة للمكتبة العربية، ومراجع في غاية الأهمية للباحثين والدارسين المشتغلين في أدب الرحلة، قديمه وحديثه. وقد تميزت أعمال الدورة الأخيرة، وهي الثانية عشرة، التي نشرتها “دار السويدي”، بالتعاون مع “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” في بيروت وجرى توزيع جوائزها ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء، بتحقيقها للعديد من نصوص الرحلة التي كُتبت في قرون وعقود سابقة، وأسهمت عمليا في ردم الفجوات المعرفية بين المشرق والمغرب وبين العرب والعالم، وفي بناء جسور الحوار بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى.

ومما أثرى هذه الفعالية، الندوات التي رافقتها حول أدب الرحلة القديم والحديث، وشارك فيها أصحاب الأعمال الفائزة وعدد من الباحثين والروائيين العرب، قدموا فيها مداخلات عن تجاربهم في إنجاز أعمالهم.

وقد توزعت الأعمال الفائزة على خمس سلاسل، هي: النصوص الرحلية المحققة، مثل كتاب “من فيينا إلى فيينا/ رحلة محمد صادق رفعت باشا إلى إيطاليا 1838”، لزيد عيد الرواضية من الأردن، وكتاب “رحلة أبو دلف المسعري في القرن العاشر الميلادي” لشاكر لعيبي من العراق، و”جمهرة الرحلات الجزائرية الحديثة في الفترة الاستعمارية 1830-1962” في 7 أجزاء متبوعة بدراسته “أدب الرحلة الجزائري الحديث- سياق النص وخطاب الأنساق” لعيسى بخيتي من الجزائر.

والرحلة المعاصرة-سندباد الجديد: متمثلة بكتاب مدني وأهوائي- جولات في مدن العالم” للطفية الدليمي من العراق. واليوميات” متمثلة بكتاب “إخوتي المزينون بالريش” للكاتبة الفلسطينية المقيمة في نيكاراغوا غدير أبوسنينة. والدراسات متمثلة بكتاب “الرحلة وفتنة العجيب/ بين الكتابة والتلقي” لخالد التوزاني من المغرب، وكتاب “السرد الرحلي والمتخيل في كتاب السيرافي والغرناطي” لأريج بنت محمد بن سليمان السويلم من السعودية، وأخيرا الترجمة متمثلة في كتاب “رحلة غوتة إلى إيطاليا 1786- 1788” لفالح عبدالجبار من العراق.

ومعروف أن الجائزة والمركز يشرف عليهما الشاعر نوري الجراح، ويرعاهما الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، في عمل دؤوب منذ 15 سنة وحتى اليوم أدّى إلى إحياء هذا النوع الممتع من ألوان الأدب العربي، وأضاف إلى خزانته العريقة أكثر من 200 كتاب، في حين بلغ عدد الفائزين بالجائزة حتى اليوم أكثر من 70 فائزة وفائزاً جاؤوا من 17 بلداً عربياً وأجنبياً.

لم يسعفني الوقت حتى الآن لقراءة الأعمال الفائزة هذا العام، باستثناء عمل واحد هو “مُدُني وأهوائي” للطفية الدليمي، وقد قرأته في الطائرة خلال رحلة عودتي من الدار البيضاء إلى عمّان. وفيه تخلص صاحبة “سيدات زحل” و”بذور النار” و”من يرث الفردوس” و”موسيقى صوفية”، وغيرها من الكتب، إلى أن المدن قصائد المخيلة الإنسانية وأناشيد العشق، تغوينا ونمر في مستحيلاتها ونكون من عشاقها أو صنّاع حكاياتها، وكل مدينة قصة غواية، وكل خريطة ترنيمة انخطاف، حيث لا حدود تقام بين فيوض الجمال وقصائد الخيال التي تسمّى مدناً، وفي غفلة من تدابيرنا تحاول هذه المدن اختطافنا أو إقصاءنا أو تعذيبنا، وما علينا سوى الوثوق بأحلامنا وحكايات عشقنا والتثبّت من رؤانا، فإن صادرتنا أو طاردتنا فنحن في تحدّ لاسترداد حريتنا. وفي الحالين، نقترح خرائط أرواحنا في أقاصي الخطر، وفي أحضان المدن الغريبة حين يطاردنا أو يأسرنا المعنى المغاير لحقيقة أن الخرائط قصائد الجغرافيين وحكايات حبّهم المعلنة في الأطالس.

وقد جاء هذا الكتاب استكمالا لكتاب سابق للطفية الدليمي، في أدب الرحلة، بعنوان “يوميات المدن”، يطوف بنا على مدن عاشت فيها (بغداد، عمّان، باريس، زيوريخ، نيقوسيا، وبيرن)، مدن معشوقة، ومدن معادية، ومدن ساحرة، وأخرى فادحة القسوة والجمال، وهي في محنة مغادرتها بلدها العراق عام 2006، تفادياً للوقوع في مصيدة الموت المجاني.

كاتب من العراق

14