خزانة الملابس والذكريات

سروالي الأسود الضيق لم يعد يناسبني بعد امتلاء أصابني من شتاء آفل بطعامه الساخن اللذيذ، ومشروباته الدافئة، لم يناسب مزاج زوجي حينها أن أرتدي سروالا ضيقا وكنت أقل وزنا فماذا يفعل الآن؟
الاثنين 2018/03/26
هذا الثوب تحديدا لا يليق بضيفي "العظيم"

خزائن ملابسنا ليست مجرد أماكن معتمة تحتضن قطع الأقمشة في صمت، نلقي في جوفها بما يستر أجسادنا، وذكرياتنا. هي حالة خاصة من التفرد والاحتواء، أمرّ على خزانة ملابسي لأجدها تضم ما تحتويه في جلال وبهاء، تحنو عليه في الضم، فلا تتركه لذرات غبار تتناثر في الفضاء لتعلق به وتقضم من زهاء ألوانه، كل قطعة أرتديها لها عندي ذكريات تمر أمام عينيّ كشريط سينمائي ملون يذكرني بأحداث قديمة فيجعلها طازجة في نعومة موقف مرّ منذ ثوان.

خزائن الثياب تختلف مسمياتها في ثقافات الشعوب ووفقا لتاريخ البلاد، تتخذ أشكالا عدة منها الخشبي الذي يمكن تحريكه من مكان إلى آخر ومنها الجداري الذي يثبت داخل الجدران مستغلا مساحات مهملة، مضيفا شكلا ديكوريا للحوائط أو مكتفيا بباب من الخشب مزين بمقابض معدنية أنيقة، خزائن هادئة تتخذ من أحد أركان البيت مكانا لها بعيدا عن الصخب، وخزائن تفتعل الصخب ذاته وتضيف إلى المكان حركة وحيوية، حتى تعطيه بعضا من جمال.

ذكريات ملابسنا حياة كاملة المعالم والتفاصيل، لكل قطعة ذكرى جميلة أو مريرة ولكنها تشكل وعينا بمقتنياتنا ومدى ارتباطنا بها، قطعة تثير الشجن بتذكر حبيب أو قريب أهداها لنا وترك الحياة على عجل فبقيت هديته تحمل رائحة موقف جميل حفر الذاكرة بما يليق بالراحل، وقطعة مازالت تعلق بها أصوات مشاجرة حادة لرفضها أو تشبثنا بها، خفتت أصوات المشاجرة وانتهى موقف الشد والجذب وأصبحت ذكرى، لم نعد نرتديها بنفس الجلال والبهاء ولم يبق من روعة أول مرة نغرم بها شيئا.

جميعنا يشترك في الذكرى ذاتها، تعيد المواقف إنتاج نفسها مع تغير الفصول وتغيير ترتيب خزائن ملابسنا، نعيد معها ترتيب أولوياتنا، من منكم مر بما مررت به من مواقف عديدة وأنا أعيد ترتيب وضع الثياب؟ ومن منكم تساءل نفس تساؤلاتي العميقة البلهاء؟ هل يبقى معلقا يغازلني لأرتديه في لقائي الهام مع شخصية كبيرة، أم أن هذا الثوب تحديدا لا يليق بضيفي “العظيم”. أم أطوي الثياب وأضعها في تنسيق ممل لا يسمح لي برؤية الكثير منها حتى أنسى بعض القطع تماما وتهجرها ذاكرتي  إلى أخرى أكثر طزاجة وحداثة، تنتابني الحيرة ذاتها كل مرة ولا فكاك من نظرة متأنية كأنني أعيد التفكير في اللاشيء!!

تخلع عليّ بعض الثياب صفاتها؛ من الرسمية، التحرر، التأنق،  تشعرني بما يجب أن أكون عليه من الجدية والانضباط اللائق ببدلة رسمية وحذاء ذي كعب عالٍ، أو رداء يطبع الأرض بقبلة ويمنحني بهاء امرأة رصينة، وتسكن روحي بعضٌ من شقاوة وليونة وأنا أرتدي “الجينز” العملي والحذاء الرياضي، أشعر كما لو كنت فتاة على مشارف العشرين بروح انطلاقية شفيفة وقلب صغير، لا تعترف الثياب الرياضية بالعمر والمهن، تطلق أرواحنا الحبيسة خلف أجهزة حديثة ونظارات تخفي بعضا من ملامحنا بألوانها القاتمة الظالمة، طبية أو شمسية، تضع حواجز في التعامل مع الآخر بعيون واسعة ترى القلوب قبل الوجوه.

سروالي الأسود الضيق لم يعد يناسبني بعد امتلاء أصابني من شتاء آفل بطعامه الساخن اللذيذ، ومشروباته الدافئة، لم يناسب مزاج زوجي حينها أن أرتدي سروالا ضيقا وكنت أقل وزنا فماذا يفعل الآن؟

أعيد ترتيب خزانتي عند تأهبنا لتوديع الشتاء وملابسه الثقيلة واستقبال الربيع وموسم الصيف، وأيام المرح والفرح، ومع طي كل قطعة شتوية أتذكر معها الكثير، وعند جلب الملابس الصيفية تتفجر الذكريات ولكل قطعة نصيب من الصفات فمنها ما تحظى بالأصيلة، والأنيقة ومنها ما أجزم بأنها راحت عليها.

لكل منا ذكرياته مع خزانة الثياب ففي الصغر كنت أغمض عينيّ على صوت جدتي تقص علينا حكايات الطفولة المرحة، وفي أيام التمرد والشقاوة تهذبنا بحكايات مرعبة تناسب أعمارنا الغضة وأعوادنا التي كانت يوما ما في رقة أغصان الأشجار ورائحة الياسمين والريحان، كانت عيناي تتشبثان بباب خزانة الملابس “الدولاب” تراودني صورة جني طويل القامة رأسه عريض وشعره أحمر أغبر يناطح رأسه سقف غرفتي، وقدماه معلقتان في الهواء، أو صورة عفريت يقفز في وجهي بعينين حمراوين.

خوفا من عقاب بدني أتسلل إلى خزانة الثياب بعد أن ينكشف أمري وأنا أسفل السرير “التخت” من حذائي الخائن الذي يهجر قدامي ويتمدد في الهواء، أغلق باب الخزانة على طرف ثوبي فيظهر بعضه لتفشل خطتي في الاختباء هذه المرة أيضا، أفقد ثقتي بالخزانة لكنني لا أستطيع مقاطعتها ففيها كل أسراري.

21