خزانة ذكريات اللبنانيين تخضع للترميم بحثا عن تسامح قديم

الاثنين 2014/10/27
كنائس ومساجد تعكس التعايش السلمي الذي جمع اللبنانيين

بيروت- وسط بيروت.. بقعة صغيرة لا تتجاوز مساحتها عدة كيلومترات مربعة، تختزن ذكريات اللبنانيين السعيدة والأليمة، وكنوز تاريخهم القديم والحديث، وقد كانت قبل الحرب الأهلية (1975-1990) قلب العاصمة النابض بالحياة وأصبحت خلالها ساحة أساسية للمعارك الطاحنة التي أدت إلى تدمير واسع لمبانيها ولضرر معظم معالمها التاريخية.

باتت منطقة “وسط بيروت” اليوم وبعد إعادة إعمارها، تعكس بما تحتويه من دور عبادة للأديان السماوية الثلاثة، مساحة تسامح وعيش مشترك في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات دينية وطائفية دموية.

وعلى الرغم من التغيير الذي طال التركيبة الاجتماعية لوسط بيروت، والنمط التجاري، ومؤخرا تأثير الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتدهورة في البلاد على المنطقة، لا تزال منطقة “وسط بيروت” متنفسا ونموذجا للبنانيين، الذين تكرس انقسامهم مع احتلال المسلّحين لها في بداية الحرب الأهلية، واستعادوا وحدتهم عندما أزيلت المتاريس منها.

هنا، غنت السيدة فيروز وسط الدمار في أحد أيام عام 1994 لتبلسم جراح السكان جراء الحرب، فحضروا الأمسية بالآلاف، وهنا أيضا استقطب بابا الفاتيكان الراحل جان بول الثاني، حشدا كبيرا من المؤمنين في قداس خلال زيارته للبنان عام 1997، وتكررت التجربة مع البابا السابق، بينيدكت السادس عشر، في سبتمبر 2012.

وتختلف تسمية وسط بيروت التجاري من قبل اللبنانيين المعروفين بإلمامهم بعدة لغات، فالمنطقة معروفة أيضا باسم الـ”داون تاون (Downtown)” أو “سنتر فيل (Centre Ville)، كما الـ”سوليدير” نسبة إلى الشركة التي قامت بإعادة إعمار هذه المنطقة الغنية بكنوز تاريخية فريدة، والمتمثلة ببقايا بيروت العثمانية والمملوكية والصليبية والعباسية والأموية والبيزنطية والرومانية والفارسية والفينيقية والكنعانية.

بـرج السـاعة في وسط بيروت، جامعة للمسلمين والمسيحيين

وشهد “وسط بيروت” ورشة ضخمة قامت بها شركة “سوليدير” في تسعينات القرن الماضي، لإعادة ترميم وتجهيز العديد من الفنادق والمكاتب والمحلات التجارية والأماكن السكنية والكنائس والمساجد، فتم الإبقاء على ما أمكن الحفاظ عليه ممّا هو قديم وأثري، ليظل شاهدا على العصور التي مرت على مدينة بيروت. ويعود عهد المساجد والكنائس الموجودة في وسط بيروت، لمئات السنين وهي تحمل أيضا أسماء شخصيات تاريخية كبيرة.

وكان الوسط التجاري لبيروت يضم العديد من الأسواق المميزة، والتي خضعت حديثا لترميم لكن ذلك كان على حساب الطابع الاجتماعي للأسواق القديمة التي كانت تميز ذلك الوسط. حيث تميّزت تلك الأسواق بكونها ظلت جامعة للمسلمين والمسيحيين، لكن المساجد والكنائس بقيت إلى اليوم تدل على هذا التواصل الوطني، إضافة إلى كنيس يهودي ما زال موجودا في وسط بيروت وهو في مرحلة الترميم وإعادة التأهيل.

ولاتزال أسواق “سرسق” و”الطويلة” و”البازركان” (أسواق قديمة) موجودة حتى اليوم، لكن بالأسماء فقط، حيث فُقدت الجيرة بين المحال التي كان أصحابها من المسلمين والمسيحيين، كما فقدت كذلك الاندماج البشري بينها.

وقال الأستاذ الجامعي نادر سراج، وهو رجل تنحدر عائلته من وسط بيروت، إن “الألفة والتعايش واللغة شبه الموحدة كانت من أهم صفات أهالي وسط بيروت التجاري”، ولفت إلى أن هذه البقعة الصغيرة “كانــت تضم أعراقا وأديانـــا عديدة دون أي انقسام بيــن الــناس لا طبقــيا ولا طائـــفيا ولا عرقــيا”.

وأضاف سراج، أن الوسط كان يختزل "حركة المدينة. كنا نرى التعايش الحقيقي، ابن الجبل بشرواله (سروال تقليدي) مع ابن الساحل وابن المدينة والأجانب. كانت هناك ألفة وتعايش ولغة شبه موحدة، وتنوع سكاني وتعايش لأعراق وفئات اجتماعية وأديان، وكنت تسمع أجراس الكنائس وأذان الجوامع".

وقال إن الوسط التجاري “يفتقد اليوم إلى الجانب الإنساني، فهو يضم أبنية جميلة وأسواقا عصرية وآخر صرعات الموضة، ولكن لا توجد وحدة اجتماعية أو حيز حضاري يذكر في الماضي”، إلا أنه شدد على أن الوسط سيبقى “يحمل طابع التعايش المشترك”.

ومن أهم معالم وسط بيروت، التي يمكن أن يراها كل زائر وسائح، البنى الرومانية والبيزنطية وهي عبارة عن مجموعة من خمسة أعمدة، تقع بقرب ما كان يعرف بدرج الأربعين، تم العثور عليها وترميمها عام 1963، وتعد هذه الأعمدة جزءا مهما من طريق رومانية رئيسية في المنطقة.

أما الحمامات الرومانية، فلها حضور مميّز أيضا، وقد تم اكتشاف بقاياها بين عامي 1968 و1969 خلف شارع المصارف.
من أهم أيقونات وسط بيروت المساجد المحتفظة برونقها التاريخي

ومن أهم ما يشاهده زائر وسط بيروت “السراي الكبير” الذي بني عام 1853 ليكون ثكنة عسكرية للحامية التركية، ثم أصبح في أيام الانتداب الفرنسي مقرا للمفوض السامي إلى أن أصبح مقرا لرئاسة الوزراء في عهد الاستقلال ومازال حتى اليوم مقرا للحكومة اللبنانية.

وعلى مقربة من السراي الكبير يوجد بـرج السـاعة الذي بني عام 1897، وجرى ترميمه عام 1994، إضافة إلى ساحة النجمة التي تضم مقر مجلس النواب والعديد من المكاتب والمطاعم وتتوسطها ساعة أثرية كبيرة.

ومن أهم أيقونات وسط بيروت المساجد المحتفظة برونقها التاريخي الذي يعود إلى العهد العثماني، عدا المسجد العمري الكبير، الذي أطلق عليه في العصر الحديث “العمري” تيمّنا بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب وتعاقبت عليه أسماء مختلفة، ففي العهد المملوكي كان اسمه “جامع فتوح الإسلام” نسبة إلى إخراج المماليك الصليبيين من لبنان ومناطق الشام، وفي العهد العثماني كان اسمه “جامع النبي يحيى”.

وليس بعيدا عنه، يقف مبنى “التياترو” الكبير، الذي كان من أفخم مسارح بيروت وبني في أواخر العشرينات من القرن الماضي، وهو ينتظر دوره لإعادة ترميمه. لكن يبدو أن اللبنانيين سيفتقدون هذا المعلم الثقافي، الذي غنّى فيه كلٌّ من أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب للمرة الأولى في بيروت، واستضاف مسرحيات عالمية وعربية خاصة من عميد المسرح العربي يوسف وهبي، فهناك من يقول اليوم إنه سيتحول إلى مشروع فندق تجاري.

وتبقى أفضل طريقة للاستمتاع بمشاهدة وسط بيروت التاريخي، أن يسير الزائر على قدميه في شوارعه وبين أبنيته القديمة الأثرية المفعمة بعبق التاريخ الذي يحن إليه الكثيرون.

20