خسائر الإعلام تعيد رجال الأعمال إلى المشهد المصري

عزوف كبير من قبل الجمهور على وسائل الإعلام المصرية لغياب الحرفية والتنوع في البرامج.
الجمعة 2019/12/06
وجوه إعلامية تبرز مجددا

يعيش الوسط الإعلامي المصري، حالة ترقّب وانتظار، في ظل الحديث عن تفكيك المنظومة الإعلامية، وتغيير طبيعة الملكية، بالاعتماد مجددا على مجموعة من رجال الأعمال لشراء بعض القنوات، مع انسحاب تدريجي من قبل بعض الجهات التي توّلت إدارتها مؤخرا.

القاهرة - أعلنت قناة “تن” الفضائية المصرية، توقفها عن البث مع نهاية شهر ديسمبر الجاري، لأسباب تمويلية وإعلانية بحتة، واستباقا لأي صعوبات مالية في المستقبل نتيجة ضعف الإعلانات. في حين يبدو المشهد الإعلامي المصري مرتبكا مع الحديث عن تغيير قادم في خارطة ملكية وسائل الإعلام.

وكشفت مصادر مطلعة لـ”العرب”، أن هناك منظومة إعلامية جديدة تلوح في الأفق، وتغييرا على صعيد الملكية والسياسة التحريرية التي يتم تطبيقها، مع عودة  بعض رجال الأعمال إلى المشهد بشراء قنوات، وربما صحف خاصة خاسرة.

وعادت أسهم رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة، إلى الصعود مرة أخرى، لشراء باقة قنوات “أون”، التي تضم “أون العامة، وأون سبورت، وأون دراما”، بعدما كان يمتلكها، وباع أسهمه كاملة لشركة إعلام المصريين.

ومن المرجح أن يعود رجل الأعمال محمد الأمين لشراء قنوات “سي.بي.سي”، مرة أخرى، ويتردد اسم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، للاستحواذ على مجموعة قنوات “الحياة”، على أن تظل قنوات “دي.أم.سي”، تحت ملكية جهات حكومية، مع خفض عدد البرامج والعاملين.

وتمت في الآونة الأخيرة إزاحة بعض الوجوه التي كانت مكلفة بإدارة الملف الإعلامي، وإسناد المهمة إلى آخرين لتنفيذ خطة انسحاب الحكومة من المشهد على مستوى الملكية.

وأشارت بعض المصادر لـ”العرب”، إلى أن “إلقاء القبض على إحدى الشخصيات القريبة من الحكومة (ياسر سليم) التي لعبت دورا في إدارة الإعلام قبل أيام، يعدّ أحد ملامح خروج الحكومة من ملكية بعض القنوات والصحف بإزاحة هذه الأسماء. لكن عودة رجال الأعمال إلى الاستحواذ على الإعلام لا يعني ترك الساحة خالية تماما لهم، لأن هناك قناعة بأن هذا الملف سياسي ومن الصعوبة أن ترفع الحكومة يدها عنه بالكامل.

ويعني ذلك، أن الرقابة على الإعلام سوف يتغيّر شكلها، وتعود إلى المتابعة من وراء ستار، فلدى جهات حكومية عدم ارتياح كامل لنوايا بعض رجال الأعمال، وتريد تجنّب استثمار ذلك في تحقيق أغراض سياسية أو اقتصادية لهؤلاء.

خطة الإصلاح الإعلامي تتضمن توسيع هامش الحرية مع السماح بظهور شخصيات معارضة لا تعمل لحساب تيارات معادية

ويشتكي عاملون في قطاع الصحافة والإعلام من غياب هامش الحرية بسبب التدخلات الواسعة من دوائر حكومية في تناولهم لبعض القضايا والملفات، حتى أصبح الصوت الإعلامي واحدا، وغاب عنه الاحتراف والتنوع والمنافسة، ما تسبب في عزوف شقّ كبير من الجمهور عن متابعة الصحف والقنوات الرسمية والخاصة.

وأكد مجدي بيومي، أستاذ الإعلام بالمعهد العالي للإعلام في القاهرة، لـ”العرب”، أن خطأ الحكومة، يكمن في أنها انتزعت ملكيات قنوات من رجال أعمال دون أن تكون لديها خبرة في إدارتها أو رؤية لتطويرها من جانب متخصصين، ما نتج عنه إنفاق مبالغ طائلة دون فائدة، وتراجع أداء وجماهيرية الإعلام رغم الإمكانيات الضخمة والقدرات البشرية الهائلة.

وتمتلك قناة “دي.أم.سي” الإخبارية، أستوديوهات وأجهزة وتقنيات عالية الجودة، وأنفقت عليها مبالغ ضخمة، ولم تر المحطة النور. وتم التراجع عن إطلاقها، رغم الحاجة الملحة للدولة المصرية إلى إطلاق قناة إخبارية.

وقالت المصادر، “لن تتوقف خطوة الإصلاح في الملف الإعلامي على وقف سيطرة الحكومة على الملكية، لكن سوف يكون هناك هامش معقول من الحرية مع السماح بظهور شخصيات معارضة لا تعمل لحساب تيارات معادية، وتتكلم بلسان الشارع المصري وأوجاعه ليعود الجمهور إلى متابعة الإعلام المحلي”.

ويقول أحمد سعد، وهو اسم مستعار لمعدّ برنامج بقناة خاصة، إن المصريين اليوم يحلمون بمشاهدة مذيع أو ضيف ينتقد الحكومة، وينقل غضبهم إلى صناع القرار. وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، “الذين يتابعون الإعلام الخارجي لا يحتاجون إلى أكثر من صوت مغاير للأصوات الداعمة على طول الخط للحكومة”.

واستضاف الإعلامي عمرو أديب النائب هيثم الحريري أحد أبرز الأصوات المعارضة داخل مجلس النواب، وقبله المعارض محمد غنيم، والكاتب أسامة الغزالي حرب، وتحدثوا جميعا بحرية والشارع لم يخرج في ثورة ضد الحكومة، والنظام لم يسقط، بالعكس، هناك الملايين ارتاحوا لمجرد أن صوتهم أصبح يصل، وهناك من يتحدث باسمهم. هكذا يجب أن تقتنع الحكومة ولا تخشى الصوت المختلف.

وبدأت دوائر حكومية تقتنع بأنه لا بديل عن سحب البساط من قنوات الإخوان التي تبثّ من تركيا، ومنصات التواصل الاجتماعي التي يستحيل السيطرة عليها، سوى بوجود هامش من الحرية الإعلامية لتناول قضايا وملفات تلامس الشارع وتنقل نبض الناس، ويشعر القارئ والمشاهد بأنه يعرف الحقيقة من إعلامه الداخلي.

إزاحة وجوه إعلامية كانت مكلفة بإدارة الملف الإعلامي، وإسناد المهمة إلى آخرين لتنفيذ خطة انسحاب الحكومة من المشهد على مستوى الملكية

وعلمت “العرب”، أن هناك تغييرا في خارطة البرامج على مستوى أغلب القنوات وحتى التلفزيون الرسمي نفسه، كنوع من تجديد الخطاب الإعلامي وجذب قطاعات كبيرة من الجمهور.

وسيعود الإعلامي يوسف الحسيني ببرنامج جديد في قناة “سي.بي.سي إكسترا”، بدلا من اقتصار الأمر على استضافته فقط، مع عودة المذيع جابر القرموطي، الذي اعتاد الهجوم على المسؤولين قبل تغييبه عن الساحة، لتقديم برنامج على فضائية “أون”.

ومن المقرر أن ينتقل الإعلامي وائل الإبراشي مذيع البرنامج الحواري المسائي على “أون”، لتقديم برنامج “توك شو” الرئيسي في التلفزيون المصري، على أن يحل مكانه الإعلاميان خالد أبوبكر، وبسمة وهبة التي بثت فيديو قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي انتقدت فيه التضييق على المذيعين والتدخل في أعمالهم، ما يعني أنها قد تكون صوتا معارضا على الشاشة.

وأوضح مجدي بيومي، لـ”العرب”، أن المشكلة ليست في فتح الباب أمام المعارضين، وإنما في المذيع الذي يستضيف هؤلاء، لأن أكثر مقدمي البرامج معروف عنهم القرب من الحكومة، ومن الصعب إقناع الشارع بأن الإعلام أصبح حرا، طالما استمرت نفس الوجوه التي اعتادت الاستخفاف بمن يطالبون بحرية الرأي والتعبير، لأن الناس سوف تعتقد، حتى مع وجود معارضة، بأنها موجهة.

18