خسائر داعش الميدانية تفتح بابا خلفيا لعودة القاعدة

الهزائم التي منيت بها الجماعات المسلحة والتراجع الذي يشهده التيار الإسلامي في المنطقة، يجعلان التنظيمات الإرهابية تفكر في التنسيق في ما بينها وتوحيد صفوفها دون أن ينفي ذلك التنافس الخفي بينها حول الزعامة. وتجد تنظيمات مختلفة مصر ساحة ومركزا يسعى الجهاديون إلى الانطلاق منه لاستعادة قدر من الهيبة المفقودة، وذلك بالنظر إلى عوامل الجغرافيا والقوة البشرية والبيئة السياسية التي تبدو مواتية لهؤلاء.
الأربعاء 2017/11/01
داعش يصغر والقاعدة يكبر

القاهرة - فقد تنظيم داعش معاقله الرئيسية في كل من سوريا والعراق وليبيا، وخسر قبله تنظيم الإخوان مواقعه في الحكم، مع تنامي شعور تنظيم القاعدة مؤخرا بأنه ليس بعيدا عن الاستهداف، الأمر الذي وضع التيار الراديكالي بمجمله أمام تحد مشترك.

تعمل تلك التنظيمات على تهيئة الساحة المصرية لاستقبال واحتواء العائدين من بؤر الصراع في العراق وسوريا، فضلا عن ليبيا المجاورة، لكن ما تواجهه من تحديات أمنية يجعل التنسيق بينها أولوية أقرب لها من التنافس.

وفسر البعض من المراقبين مضاعفة داعش والقاعدة لعملياتهما في مصر على الجبهة الشرقية بسيناء والغربية على الحدود مع ليبيا، بالتسابق الخفي للسيطرة على الساحة الجهادية.

وتشهد الساحة المصرية التي كانت محل تنافس بين التنظيمات الجهادية، مولد مشاريع دمج وإعادة هيكلة مع استعادة تنظيم القاعدة لحضوره، في محاولة لقيادة المرحلة محتويا تراجع نفوذ داعش والخلايا النوعية المنبثقة عن جماعة الإخوان.

ويحظى الاستقطاب القاعدي بأفضلية بالنظر إلى التقارب الفكري والمنهجي بين القاعدة والتنظيمات الجهادية المصرية، علاوة على العلاقات القوية التي ربطت بين القاعدة والإخوان، خاصة بعد حراك يناير 2011.

ويعاني العديد من المنضوين داخل داعش من هشاشة فكرية. كما يفتقر التنظيم لحضور المنظرين ذوي الكفاءة، في مقابل ما لدى تنظيم القاعدة من منظرين قادرين على استعادة صدارته للمشهد الجهادي.

واعتمدت الخلايا النوعية للإخوان التي تمارس العمل السري العسكري بشكل أساسي على أطروحات فقهاء القاعدة ومؤلفاتهم، إلى جانب الاستفادة من إنتاج قيادات الإخوان التاريخيين كسيد قطب وغيره.

ولا تنفصل محاولة تنظيم القاعدة للعودة عما يعانيه تيار السلفية الجهادية من تفسخ نتيجة الصراعات التي دارت بين داعش والقاعدة، وهناك توجه لاسترداد صيغة ما قبل تلك الانقسامات عبر تحجيم الخلافات وخلق المزيد من محفزات التلاقي.

الساحة المصرية تشهد مولد مشاريع دمج وإعادة هيكلة مع استعادة القاعدة لحضوره، في محاولة لقيادة المرحلة

ويدفع انشقاق غالبية أعضاء وقادة داعش الحاليين عن القاعدة باتجاه العودة إلى الأصل في ضوء المستجدات الأخيرة، خاصة أن ما دفع هؤلاء إلى الانضمام إلى داعش هو انتصاراته وتمدده وإعلانه قيام الخلافة.

ويعتبر البعض من الخبراء طرح اسم حمزة بن لادن نجل الزعيم التاريخي للقاعدة أسامة بن لادن كقائد مفترض جديد للتنظيم، من دلائل محاولات التقريب بين التنظيمين بالنظر إلى مكانة والده بن لادن لدى عموم الجهاديين، ولما سببته الخلافات بين أيمن الظواهري وأبي بكر البغدادي من شقاق.

وألمح متابعون إلى أن تنظيم القاعدة لم يختف تماما من الوجود بمجرد انسلاخ فرعه في سيناء عنه ومبايعته لداعش في العام 2014، إنما ظل ينشط منفردا أو بالتنسيق مع فصائل أخرى تحت مسمى “الجيش الإسلامي الحر”، في مناطق وسط سيناء، التي كانت المعقل الرئيسي للتنظيم قبل يناير 2011.

وذهب طارق أبوالسعد الخبير في شؤون الحركات الإسلامية إلى أن عملية إعادة التدوير والدمج التي تجري في الوسط الجهادي ليس معناها انتقالا عشوائيا من داعش إلى القاعدة، مرجحا استمرار الأفكار العامة للتنظيمين ومواصلة العمل على إقامة دولة.

وأوضح لـ“العرب” أن مسببات انهيار داعش تجعل قادة الجهاد في الساحة المصرية أكثر حرصا على تلافيها خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها الانقسام الجهادي، وتصب المحصلة في خانة بعث تنظيم جديد أكثر عنفا وشراسة.

ويرى قادة محسوبون على جماعتي القاعدة والإخوان أن المرحلة لا تحتمل انقسامات وخلافات. ونجاح انتقال ما أسموه الصحوة الجهادية إلى مصر متوقف على توحيد الفصائل الجهادية وربطها في سياق منظومة عمل متسقة.

وتحدث هؤلاء عن شبكة مصالح واسعة ترعاها دول وتباشر تنفيذها أجهزة مخابرات وكيانات مدربة ومقيمة بالخارج، وهي من تدير تدفق الآلاف من المقاتلين في اتجاه الساحتين الليبية والمصرية.

ونبه متابعون إلى رغبة بعض الدول في احتواء فشلها السياسي في الساحة السورية عبر إضعاف الداخل المصري، وينظر قادتها إلى تقويض الإسلام السياسي وعزله عن الحكم بمصر كسبب أول في انتكاسة المشروع في باقي الدول العربية.

ويلزم البعث الجهادي في اتجاه مصر تنسيقا مبدئيا مع القاعدة كي لا تنشأ صراعات مسلحة بين الفصائل ولا تتكرر سيناريوهات الانقسام والصراعات المسلحة التي أعقبت انتقال مقاتلي داعش من العراق إلى سوريا.

يصبح التعويل على القاعدة من عامل احتواء الفصائل الجهادية بالساحة المصرية، ويعود إلى النجاح الذي أحرزه التنظيم في استيعاب خلايا جماعة الإخوان النوعية، وتحديدا نموذجي “حسم” و“لواء الثورة”، وهي تجربة أثمرت توسيعا لرقعة المواجهة مع الأجهزة الأمنية خارج نطاق سيناء.

الاستراتيجية الجديدة للمهاجمين تعتمد على محاولة إحاطة أطراف الجغرافيا بالفوضى والاضطرابات من الجهتين الشرقية والغربية

بفضل التعاون بين القاعدة في سيناء والخلايا الجديدة صار هناك رافد للتجنيد عبر الكتلة الشبابية الضخمة التي يمتلها تنظيم الإخوان، وهو ما أسهم في بلورة تجربة تلقيح استفاد خلالها كلاهما من مزايا الآخر.

وتوفر لأحدهما ما ينقصه من خبرات قتالية وتدريب، وللآخر الرافد المادي حينما تواصل تمويل القاعدة الذي انقطع لفترة قصيرة عقب عزل الإخوان عن السلطة. وبموازاة ذلك ظهر التنظيم بصورة أكثر مرونة في سوريا، عكس داعش، الأمر الذي أتاح له لعب دور الشقيق الأكبر الذي احتوى العناصر المفارقة لمختلف التنظيمات الأخرى.

ورجحت مصادر أمنية أن يتولى القاعدة زمام المرحلة الجهادية المقبلة، لأن هدف التنظيم أن تصبح مصر مركز نشاطه في المنطقة، معتمدا على الاستفادة من القوة البشرية المدربة النازحة من داعش وتحالفه القائم مع جماعة الإخوان، والتمويل الذي لا يزال يتلقاه من قطر.

تحدث خبراء أمنيون عن طفرة في مستويات تنظيم القاعدة القتالية، إثر اكتسابه خبرات ميدانية واسعة خلال سنوات الحرب السورية، فالتنظيم الذي يهتم أكثر من ذي قبل بزعزعة الأنظمة العربية يضم مقاتلين على قدر كبير من الاحترافية، ودربت عناصره على استخدام أسلحة متطورة. وربما العملية الإرهابية التي شهدتها مصر يوم 20 أكتوبر في الواحات بالصحراء الغربية دليل على هذا التكتيك، الذي ظهرت فيه بصمات القاعدة بوجهه الجديد.

وقال علاء عبدالمجيد الخبير الأمني إن الساحة المصرية بصدد مرحلة جديدة ربما أكثر خطورة وتوسعا في حربها ضد الإرهاب، لافتا إلى أن الاستراتيجية الجديدة للمهاجمين تعتمد على محاولة إحاطة أطراف الجغرافيا بالفوضى والاضطرابات من الجهتين الشرقية والغربية.

وكشف لـ“العرب” عن إصرار من قبل جهات خارجية معادية على فتح جبهة مواجهة جديدة مع الجيش المصري بالصحراء الغربية تضاف إلى سيناء، وما يجري على الأرض أكبر من قدرة تنظيمات صغيرة وعادية.

ويعد انتقال المقاتلين من سوريا إلي حدود ليبيا مع مصر والترتيبات التي تجري بين الفصائل الجهادية، نقطة فاصلة في مواجهة الدولة المصرية للإرهاب.

وتتطلب هذه المسألة أداء عسكريا متطورا لضبط الحدود ومنع تسلل واختراق العناصر الإرهابية، علاوة على جهود دبلوماسية واستخبارية مضاعفة للإسهام في تسوية سياسية بليبيا للفوز بشريك أمني على الجانب الآخر من الحدود، على غرار سيناريو الحدود مع غزة.

13