خسائر صوت مصر الرسمي تضع الحكومة أمام خيارات صعبة

فتحت الخسائر المتراكمة على التلفزيون الحكومي المصري الباب مجددا أمام مشروع خصخصة التلفزيون والتخلص من أعبائه الملقاة على الدولة. وتشير دوائر حكومية إلى بدء إدخال شركات خاصة لإدارة قطاعات معينة داخل جهاز الدولة كحل مؤقت.
الجمعة 2017/12/01
كل الحلول مطروحة عدا التخلي عن ماسبيرو

القاهرة - عاد الحديث مجددا في مصر عن حتمية إيجاد حلول لخسائر التلفزيون الحكومي “ماسبيرو” بعد تفاقمها ووصولها إلى مبالغ كبيرة، وتشير المصادر إلى التفكير في إدخال شركات خاصة لإدارة عدد من الأقسام دون أن يخل ذلك بملكية الدولة له.

ويبدو أن حجم خسائر ماسبيرو التي كشفتها موازنة الدولة الصادرة مؤخرا وبلغت 5 مليارات جنيه (300 مليون دولار تقريبا)، قد أعاد النظر بشأن المبنى القديم الذي تم تجاهل مشاكله في الفترة الماضية لعدة أسباب ومن بينها التعويل على القطاع الخاص الأكثر جماهيرية ومشاهدة، خاصة بعد صفقات الاندماج الضخمة مؤخرا.

وتواجه الحكومة خيارات صعبة بسبب المبالغ الضخمة التي تتطلبها إعادة هيكلة التلفزيون الرسمي وتحديث أدواته وبرامجه ومحتواه، أو ترك الأمور على حالها في ظل انخفاض نسب المشاهدة وتدني الخدمة الإعلامية التي يقدمها، ما يعني استمرار الخسائر دون جدوى فعلية. في حين يطالب الإعلاميون بأن تكون هناك إجراءات تساهم في وقف الخسائر وترتقي بالخدمة التي يقدمها.

ويقترح رجال الأعمال الذين لهم تجربة إعلامية واسعة حلولا أخرى، فيقول نجيب ساويرس إن الحل الأمثل هو بيع المبنى، والتفكير في إنشاء قنوات جديدة تعبر عن الدولة، إلا أن هذا المقترح واجه اعتراضا كبيرا من المدافعين عن ماسبيرو، معتبرين أنه صوت الدولة الرسمي حتى وإن كان خافتا ولا يجب التخلي عنه مطلقا.

وقالت مصادر لـ“العرب” أن هناك خطة تقضي بمنح شركات خاصة مهمة إدارة بعض الأقسام في التلفزيون وسيتم تطبيقها مبدئيا على قطاع الهندسة الإذاعية كمرحلة أولى، كما أن هناك قطاعات أخرى سيتم دمجها داخل هيئات خارج التلفزيون المصري، منها دمج قطاع الإنتاج ليكون تابعا لمدينة الإنتاج الإعلامي، المسؤولة عن الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني وتبث من خلالها الفضائيات الخاصة.

وتشمل الخطة أيضا دمج قطاع الأمانة العامة، المسؤول عن الجانب الإداري لماسبيرو، داخل الهيئة الوطنية للإعلام والتي حلت محل “اتحاد الإذاعة والتلفزيون”، كما سيطبق الأمر ذاته على بعض القنوات المتخصصة، بعد أن بلغ عدد القنوات والإذاعات التابعة لماسبيرو 40 قناة وإذاعة.

جمال الشاعر: تعدد المنصات التي تعبر عن الدولة يعد ظاهرة صحية في إطار التنافس

وقال الإعلامي جمال الشاعر وكيل اللجنة الوطنية للإعلام، إن الهيئة ورثت هذه الخسائر على مدار أكثر من 30 سنة ماضية، وهي الأعوام التي شهدت تراكم الديون الخارجية لماسبيرو حتى وصلت إلى 28 مليار جنيه حاليا (مليار ونصف المليار دولار تقريبا).

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن تلك الديون لا يمكن اعتبارها خسائر، لأن التلفزيون الحكومي ساهم بها من خلال مشاركته في عدد من المشروعات الإعلامية الحكومية الأخرى مثل المساهمة في تأسيس القمر الصناعي النايل سات، ومدينة الإنتاج الإعلامي، دون أن تكون هناك عوائد عليه من خلالها، كما أن تراكم فوائد الديون تسبب في زيادة معدلاتها.

واعترف الشاعر بوجود نية لإدخال بعض الشركات الخاصة لتكون مسؤولة عن بعض القطاعات، وأن التلفزيون الحكومي سيتم إدارة أصوله بشكل اقتصادي لضمان تحقيق عوائد مالية تعوض الخسائر الحالية، مع بقاء تلك القطاعات تابعة للحكومة المصرية، الأمر الذي يتطلب وجود شراكات وتفاهمات بين الحكومة والقطاع الخاص.

وبدا أن إشراف هيئة مستقلة على ماسبيرو من خلال تأسيس الهيئة الوطنية للإعلام في شهر أبريل الماضي، بالرغم من تابعيتها للحكومة، مقدمة لتخلص الحكومة المصرية من عبء أجور العاملين عبر تأسيس عدة شركات تقوم بالصرف على نفسها وتندمج هذه الشركات تحت مسؤولية الهيئة التي حلت محل اتحاد الإذاعة والتلفزيون.

ويعاني ماسبيرو بشكل أساسي من مشكلات إدارية جمة نتيجة اتباع سياسات خاطئة ترتبط بالتعيينات والترقيات داخله، لأنها كانت تتم بشكل عشوائي ويشوبه الفساد أحيانا، وهو ما أدى إلى وصول عدد العاملين به إلى نحو 45 ألف موظف تم تقليصهم منذ اندلاع ثورة يناير ليصل العدد حاليا إلى حوالي 37 ألف موظف، وفقا لأرقام الهيئة الوطنية للإعلام.

وتذهب غالبية إيرادات ماسبيرو إلى الأجور والرواتب، وبحسب أرقام الموازنة المعتمدة مؤخرا فإن ماسبيرو حقق هذا العام زيادة طفيفة في الإيرادات بلغت 300 مليون جنيه ( 16 مليون دولار تقريبا).

ويذهب البعض للتأكيد على أن الحكومة المصرية لديها قناعة راسخة بعدم الاعتماد على ما ستؤول إليه الأوضاع داخل ماسبيرو، وشرعت في دعم بعض القنوات الخاصة لتقوم بدور إعلام الدولة، وقامت دوائر قريبة منها بتدشين بعض القنوات، وهو ما يراه أعضاء الهيئة الوطنية للإعلام حلا مقبولا لحين تعديل أوضاع المبنى الحكومي.

ويرى الشاعر أن تعدد المنصات التي تعبر عن الدولة يعد ظاهرة صحية في إطار التنافسية بين جميع القنوات المصرية، ومن شأنه تقوية الإعلام المصري والتعبير عن الصوت الرسمي تجاه العديد من الملفات، إلا أنه رفض هجوم الفضائيات الخاصة المتكرر على إعلام الدولة بحجة أنه يحقق خسائر.

وقال حسن علي رئيس جمعية حماية المشاهدين، لـ”العرب”، إن ماسبيرو يلقى نفس مصير شركات قطاع الأعمال الحكومية والتي تم بيعها بحجة أنها تحقق خسائر متراكمة كل عام، وذلك يعد توجها عاما من الدولة التي لم تسع على مدار السنوات الماضية لتحديث المحتوى المقدم على شاشات التلفزيون الرسمي. وأضاف أن التخلص من ماسبيرو لن يتم على المدى القريب، إلا أن تحويل بعض القطاعات إلى شركات خاصة يعد بداية النهاية لملكية الدولة لماسبيرو، وما يصعّب من مهمة الحكومة هو وجود الآلاف من العاملين داخله.

وكانت الحكومة المصرية لجأت خلال الأشهر الماضية إلى دعم بعض القنوات الخاصة، ودفعت رجال أعمال قريبين منها إلى تأسيس محطات أخرى للسيطرة على الفضاء الإعلامي، وهو ما أكد عزمها على التخلص من تركة ماسبيرو وعدم استعدادها لتحمل تكاليف باهظة لتطويره.

ولفت حسن علي إلى أن ماسبيرو خلال الفترة المقبلة سينتظر قرارات صعبة وغير مسبوقة بالنسبة إليه، والهدف ليس إصلاحه بقدر الرغبة في التقليل من خسائره التي تتكبدها الدولة، تحديدا بعد أن استطاع رجال الأعمال إقناع الحكومة بأن هذا المبنى لا فائدة منه وأن الاعتماد على قنواتهم يحقق نتائج أكثر إيجابية.

18