خسارات متتالية لمشروع المجزرة

الأربعاء 2014/08/13

لم يرتكب الجيش اللبناني مجزرة في «عرسال»، ولم يستوطن التكفيريون فيها، ونجا النازحون السوريون من مشروع الإبادة الجماعية الذي كان يعده لهم بشار الأسد وحزب الله. فاوض قائد الجيش الجماعات المسلحة، وتدخلت هيئة العلماء المسلمين لحل قضية الجنود الأسرى الذين احتفظت بهم الجماعات المسلحة. قوبلت مبادرتهم بالرصاص، ولكن الأمور وقفت عند هذا الحد. لم تكن «عرسال» مفتاح الانفجار الذي سيعبر منه الأسد إلى الفوضى التي ستنقذه.

بعد رفع الجيش وقائده إلى مرتبة عالية والدفع الحثيث في اتجاه دعم الجيش، وبعد أن بات الإعلام يفيض بالدعاية للجيش وتعظيمه، انقلبت الأمور وبات العماد جان قهوجي قائد الجيش متهما بالتخاذل والتواطؤ كونه تفاوض مع إرهابيين.

الجيش الذي كان مطلوبا منه تحقيق المعجزات، كان، في واقع الأمر، يُزجُّ في ورطة تدخله في خطر التحول إلى طرف. كل هذا التعظيم المبالغ فيه له ولدوره إنما كان يهدف إلى جعله عنوان أزمة مفتوحة، فقد أُرسل لمحاربة التكفيريين دون إمكانيات كافية وفي ظل نقص فادح في الذخائر والعتاد.

المشهد بدا وكأنه تكرار لسياقات مألوفة في أن يكون دم شهداء الجيش جسرا للعبور إلى رئاسة الجمهورية. لذا لابد أن تكون الحصيلة ضخمة لا يمكن معها وفي ظل انفجار مشاعر الوطنية والغضب والتعاطف وضع أي اعتبار سياسي واقعي في التداول. هكذا تتحول الأسطرة إلى سياسة وتنجب رئيسا وحكومة ومجلس نواب على منوالها. سقط هذا المشروع تحت وطأة العقلنة التي مارسها قائد الجيش.

في ظل كل هذه الظروف جاءت الهبة السعودية المقدمة للجيش اللبناني حاملة معنى إعادة إنتاج السياسة والاعتدال من خلال المؤسسة التي احتلت وحدها إجماع اللبنانيين على دعمها. ظهر أن هذا الإجماع لم يكن سوى جزء من سياق التكاذب، وراح الطرف الذي حمل لواء تقديس الجيش يكيل التهم لقيادته التي فشلت في تحقيق ما كان يصبو إليه وهو المجزرة. هبة المليار دولار السعودية حملت معنى الكارثة بالنسبة لداعمي الجيش السابقين، لأن صفة الإرهاب التي كانت تطلق على “عرسال” وعلى الطائفة السنية سقطت بطريقة عملية. وسقطت إمكانية اتهام السعودية بدعم الإرهاب. سقطت هذه التهم انطلاقا من العناوين التي كانت الممانعة بنفسها قد أسست لها.

الجيش كان يحارب ضد الإرهاب. تاليا فإن كل من يدعم الجيش هو معاد للإرهاب، فهل تكون هبة المملكة السعودية الراعية للإرهاب، وفق التوصيف الممانع، نوعا من دعم ضد نفسها وضد حلفائها؟ أي متابع للسياسة يعلم أن هذا مجرد هراء. الدول تستجيب في ما يصدر عنها إلى نظام مصالح، وليست الهبة السعودية خارج هذا السياق، ولكن هناك فرق بين من تقوم مصلحته على صناعة الإرهاب، وبين من تقوم مصلحته على محاربته.

يعلم حزب الله أن دعم الجيش جديا من شأنه أن يقضي على أي إمكانية لاختراقه من بوابة طائفية، فهو، في النهاية، واحد من أكبر أرباب العمل في البلد وهو يستثمر هذا الموضوع في صناعة الولاء. الجيش القوي يخلق استثمارا مضادا في صناعة ولاء للمؤسسة العسكرية، لذا فإن حزب الله يقف ضد الهبة السعودية، وسيقف كذلك ضد أي مشروع دعم للجيش لا يجعله رهنا لمشروعه.

أسقط تصرف قائد الجيش والهبة السعودية التي كرست لدعمه عنوان الإرهاب عن “عرسال” وعن السنّة وأصبح تأليف مثل هذا الاتهام صعبا، وفي هذا السياق ودون سابق توقع عاد سعد الحريري إلى بيروت، جالبا ملف استثمار الهبة السعودية في شراء السلاح والعتاد للجيش ومشروع الاعتدال السني في لحظة انفجار المشهد الداعشي.

كان الجميع يتوقع عودة الحريري من باب صفقة ما تعطي حزب الله وبشار الأسد ونظام ولاية الفقيه مكاسب كبيرة لقاء توفير الظروف المناسبة للعودة. عاد سعد الحريري دون صفقة حاملا مفتاح دعم الجيش ومفتاح الاعتدال، ليهاجم من خلالهما مشروع حزب الله ويضعه في مأزق تُوّجَ بإفقاده القدرة على افتعال إشكال سني داخلي بواسطة المفتي قباني، الذي رضخ للضغوط، وانصاع إلى تسوية تحفظ له الحد الأدنى من كرامته وترفع عنه مهانة الوقوف أمام القضاء.

تم انتخاب الشيخ دريان مفتيا جديدا للجمهورية دون مشاكل، وكانت صورة التسلّم والتسليم الديمقراطي، وصورة سعد الحريري وهو يصافح المفتي السابق الذي كان يجاهر بالعداء لتيار المستقبل ويقبّله، نوعا من التأكيد على أن البيت السني الداخلي قادر على ترتيب نفسه وعلى صناعة عناوين الاعتدال. عند هذا الحد بدا حزب الله محتاجا إلى صفقة ما، فأرسل عبر جريدة السفير رسالة يدعو فيها سعد الحريري إلى لقاء ما مع السيد نصر الله فأجاب الحريري عبر الإعلام أن لا معنى لهذا اللقاء ما دام الحزب باقيا في سوريا. بعد ذلك برزت مطالبات بتوسيع حدود القرار 1701 ليشمل منع تسلل المقاتلين من الجهتين، وبدا أن الموارنة بصدد الإعلان عن ترشيح اسم لرئاسة الجمهورية يُرجّح أن يكون العماد قهوجي الذي بات واضحا أن حزب الله لا يريده رئيسا بأي شكل، بل لا يريد أي رئيس للجمهورية.

تزامنت عودة الحريري مع بدء الهجوم الأميركي على داعش ومع تصريحات للرئيس الأميركي باراك أوباما يعلن فيها أنه لن يسمح لداعش بإقامة دولتها، وصرح كذلك في حوار مع توماس فريدمان أن الشيعة أهدروا فرصة تاريخية لتقاسم السلطة مع السنة والأكراد. فجأة بات تجاهل مطالب الأكثريات في المنطقة غير ممكن، ومن ناحية أخرى بدت إيران مستعدة للتخلي عن حلفائها.

في ظل هذه التحولات بات المالكي، حارس المشروع الإيراني في العراق، خارج المعادلة وظهر يهاجم إيران في مفارقة ساخرة.

فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية التركية ضمن مشروع إسلامي يقوم على بنية صلبة من النمو الاقتصادي والتحديث وارتفاع مستوى الحياة والتفاهم مع علمانية عميقة الجذور، يمكن أن يُقرأ على أنه من شأنه تقديم نموذج إسلامي لا يستحضر في أذهان المصريين والسعوديين صورة الإخوان المسلمين ونموذج مرسي الذي باتت كل سياستهم قائمة على التناقض معه، لدرجة رأت فيها بعض التحليلات أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي سيحاول خلال زيارته للسعودية إقناع الملك السعودي بالانفتاح على بشار الأسد الذي كان الإخوان يدّعون معاداته. إنها الإخوانوفوبيا التي ربما يكون وصول أردوغان إلى سدة الحكم عاملا مساعدا على التخفيف من وطأتها، والعودة إلى محاولة تأسيس السياسة انطلاقا من المصالح والإمكانات الواقعية لا من النكايات.

ربما لم يعد أحد قادرا على احتمال داعش وأضرابها، ولكن لا يبدو أن صناع المجازر في سوريا والعراق سيركنون إلى السياسة ويستجيبون للوقائع، بل سيحاولون تفخيخ المعطيات بالأسطرة. المشكلة أن هذه الأسطرة التي ترتدي ثوبا دينيا لا تملك سوى المجزرة وسيلة للتعريف عن نفسها. السياسة مشروع لم يبدأ بعد في منطقتنا، ولكن ربما تكون هذه المعطيات إيذانا بإمكانية الشروع في التماس الطريق إليه.


كاتب لبناني

8