خسارة لا يمكن إحصاؤها

النسيج الاجتماعي -أو تمزقه إن صح التعبير- خسارة لا تحصى مثل أعداد وفيات وإصابات ورقم في الاقتصاد، لأننا نعرف كم سندفع غاليا ثمن هذا الفراق.
الأربعاء 2020/04/15
غريزة العيش في مجتمع مهمة

الوباء يصيب مئات الألوف من الناس ويقتل عشرات الآلاف منهم. هذا النوع من الخسائر مخيف وملحوظ وهو ما يتصدر الأنباء. كل ساعة تصدر البيانات من مختلف الدول عن عدد المصابين وعدد المتوفين. أخبار الخسائر البشرية هي المهمة، ولا أحد يتمعن كثيرا بأرقام المتعافين. هذا أول مؤشر لخسائرنا بسبب كورونا.

عداد الخسائر الثاني هو الاقتصاد. هذا عداد لا يقل أهمية. برأيي هو العداد الأخطر لما سيجره على الجميع بعد انتهاء الوباء. الذين تحسبوا لأيام ممطرة -كما يقول المثل- لديهم بعض التوفير الذي يطمئنهم وهم يجلسون بلا عمل. في الغرب تتسابق الدول لإقرار مساعدات كورونا. بعضها من الأرصدة المتوفرة، وبعضها الآخر بما يسمى “التيسير النقدي”. هذا اسم معاصر لطبع الفلوس من دون غطاء. من تصله المعونة يجلس في بيته وينتظر، أو ينفق ممّا لديه. على المستوى الفردي هي لعبة انتظار. أما على مستوى الشركات والدول فهي كوارث اقتصادية حالية أو قادمة. العالم لم يتعافَ من الأزمة النقدية منذ عام 2008، كي يستطيع أن يجد بارقة أمل في الأزمة الحالية. كل يوم حجر يعني الملايين من العاطلين في أنحاء العالم. هذه خسائر محسوسة حقا، لكننا نريد أن لا نفكر فيها كثيرا الآن. مخاوفنا من الإصابة تكفينا.

ماذا عن ذلك الذي لا يعد ولا يحصى: الخسائر الاجتماعية؟ أين ذهب الأصدقاء والزملاء؟ كل في بيته قسرا أو برضا. نتواصل عبر سكايب لأداء العمل، وعبر واتساب وفيسبوك والهاتف -نعم لا يزال البعض يجري مكالمات هاتفية-. ولكن من دون حراك اجتماعي ولقاءات وحديث وتفاعل مع الآخرين، ستتحول الرسائل والدردشات إلى مبادرة للاطمئنان على الصحة وتمنيات بتجاوز الأزمة. ينحسر الحديث يوما بعد آخر وتقل الألفة التي بنيناها مع أصدقائنا في المقاهي والمطاعم والحانات والشوارع  والحدائق. ينحسر الحديث مع زملائنا الذين كنا نلتقيهم كل يوم. البعض صار يحن إلى المماحكات اليومية. أعدنا اكتشاف تعلقنا بمن كنا لا نرتاح عندما نكون في رفقتهم من الجيران أو من الزملاء. زاد الملل من الوجه التلفزيوني، وصرنا نحنّ إلى وجوه حية أمامنا غير وجوه الدائرة العائلية الضيقة. على العشاق أن يتوسعوا في خيالهم كي يعثروا على مواضيع يتحدثون فيها.

تكمن قيمة البشرية بهذا الطابوق الاجتماعي الذي بناها ووضعها سوية. غريزة البقاء التي تجعلنا نخاف من المرض والإصابة، أو من الندرة القادمة (والجوع عند كثيرين)، غريزة مهمة. لكن غريزة العيش في مجتمع لا تقل أهمية. لا أبالغ في القول حين أرى أنها السبب الذي سيستعجل التمرد على قواعد غرائز البقاء والجوع والخوف. النسيج الاجتماعي -أو تمزقه إن صح التعبير- خسارة لا تحصى مثل أعداد وفيات وإصابات ورقم في الاقتصاد، لأننا نعرف كم سندفع غاليا ثمن هذا الفراق.

24