خشية متزايدة من دخول تونس في حالة فراغ حكومي

مشاورات تشكيل الحكومة تتحول إلى "كاستينغ" لفيلم غامض بعد تأخر الإعلان عن تركيبتها.
الخميس 2019/11/28
تطمينات الجملي غير كافية

تسود حالة ترقب في تونس لما ستتمخض عنه مشاورات تشكيل حكومة جديدة، وهي مهمة لا تبدو سهلة أمام رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي الذي يواجه تحدّي الآجال الدستورية من جهة، وضغوط الأحزاب المعارضة لحكومة ترأسها حركة النهضة من جهة ثانية.

تونس – لم تُبدّد تأكيدات رئيس الحكومة التونسية المُكلف الحبيب الجملي، على أن مشاوراته لتشكيل الحكومة الجديدة تتقدم بشكل جيد على المستوى السياسي وعلى صعيد إعداد الخطوط الكبرى لبرنامجها الاقتصادي والاجتماعي، أجواء القلق والهواجس التي تنتاب غالبية القوى الحزبية من دخول البلاد في مربع الفراغ الحكومي الذي يفتح الباب أمام مواجهات سياسية من شأنها تعكير المناخ السياسي العام في البلاد.

وعلى عكس ما ذهب إليه الحبيب الجملي في تصريحاته التي أشار فيها إلى أنه “يحاول ضمان أقصى قدر ممكن من الوفاق حول الحكومة الجديدة حتى تكون مهمتها أكثر سهولة”، تضاربت الآراء وتباينت التقييمات المواكبة لمشاورات تشكيل الحكومة، وسط حالة من الترقب لنتائج تلك المشاورات وتأثيراتها على الأوضاع العامة في البلاد، بحساباتها ومُعادلاتها السياسية والحزبية.

عبير موسي: مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مسرحية سيئة الإخراج
عبير موسي: مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مسرحية سيئة الإخراج

ونفى الجملي الذي اختار للحكومة التي يسعى إلى تشكيلها اسم “حكومة الإنجاز”، تعثّر المشاورات والمفاوضات التي يُجريها لتشكيل فريقه الحكومي، حيث قال في تصريحات أدلى بها في أعقاب اجتماعه مع الرئيس قيس سعيّد، “ليس هناك أي تعثر، بل هناك تقدم”.

وأكد أن المشاركة في الحكومة الجديدة “لن تشمل كل الأحزاب لأنه في كل مسار ديمقراطي هناك أحزاب تشارك في الحكم وأخرى تعارض”، على حد تعبيره، مشيرا في المُقابل إلى أنه “يحاول ضمان أقصى قدر ممكن من الوفاق حول هذه الحكومة حتى تكون مهمتها أكثر سهولة”.

وأطلع رئيس الحكومة التونسية المُكلف الحبيب الجملي، مساء الثلاثاء، الرئيس قيس سعيّد، على نتائج مشاوراته مع الأحزاب والمنظمات الوطنية لتشكيل حكومته الجديدة، وذلك في خطوة وُصفت بالهامة، باعتبار أنها جاءت في وقت ارتفعت فيه الأصوات المُشككة في جدية تلك المشاورات.

وفيما دعا الجملي عقب هذا الاجتماع كافة الأطراف الحزبية إلى “الاطمئنان لخياراته المجتمعية وعلى مدنية الدولة وحقوق المرأة والانفتاح على المجتمع المدني”، تتالت تلك الأصوات المُشككة في جدية المشاورات الجارية، حتى أن البعض لم يتردد في وصفها بأنها “كاستينغ” لفيلم من إخراج راشد الغنوشي الذي يبقى الماسك الفعلي بملف الحكومة.

وعبّرت عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر (17 مقعدا برلمانيا)، عن هذا الرأي بطريقتها، حيث اعتبرت أن مشاورات رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي مع عدد من الشخصيات السياسية والحزبية التي يستقبلها يوميا “غير جدية، وهي بذلك مسرحية من جملة المسرحيات سيئة الإخراج التي عاشتها تونس منذ عام 2011 إلى اليوم”.

وتساءلت موسي عن المقاييس التي يستدعي على أساسها الجملي الأطراف المعنية بتشكيل الحكومة، وعن الإضافة التي تقدمها مثل هذه اللقاءات، مؤكدة في نفس الوقت أن حزبها “رفض مقابلة الجملي ليس لشخصه وإنما لأنه لا يثق في من يُعيّنهم الإخوان”، وذلك في إشارة إلى حركة النهضة الاسلامية.

وشددت في هذا السياق، على أن حركة النهضة الإسلامية “لا تضع شخصا في منصب قد يخرج عن طاعتها، أو قد يتمرد على خياراتها”، لافتة في المقابل إلى أن السلطة “ليست بيد رئيس البرلمان راشد الغنوشي لأنه محكوم فيه نظرا لحصول حزبه على 52 مقعدا فقط، ولو كانت الأغلبية بيده لفرض حكومته وعلى رأسها ‘إخواني’ من البداية، ولسعى إلى أخونة الدولة التونسية”، على حد قولها.

وكشفت مواقف موسي عن مساحة واسعة لرفض التعاطي مع حركة النهضة الإسلامية بإشارات واضحة فرضتها حسابات المشهد العام في البلاد التي باتت تستدعي ضرورة بلورة مقاربات سياسية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التوازنات داخل البرلمان التي بدأت تتغير ببروز كتل نيابية جديدة وازنة.

وأعلنت الأربعاء، ليلى حداد، النائبة عن حركة الشعب بالبرلمان، عن تشكيل كتلة برلمانية مُوحدة بين حركة الشعب والتيار الديمقراطي، ستضم حوالي 40 نائبا، لتكون بذلك الكتلة النيابية الثانية بعد كتلة حركة النهضة (52 مقعدا برلمانيا)، ما يُخولها لأن تكون رقما صعبا في مجمل التوازنات اللاحقة تحت قبة البرلمان.

وأكدت أن هذه الكتلة “ستكون كتلة قوية تعطي أملا للتونسيين الذين يعتبرون أن الحزبين يشكلان إنقاذا لتونس عبر الإصلاح والقطع مع الفساد”، لافتة إلى أن الحزبين، أي حركة الشعب والتيار الديمقراطي لن يُشاركا في الحكومة التي يسعى الحبيب الجملي إلى تشكيلها، وسيكونان في المعارضة.

وأمام هذه التطورات المُتسارعة، تبدو مهمة الحبيب الجملي التي شرع منذ 19 نوفمبر الجاري في إجراء المشاورات الرسمية لتشكيل الحكومة التونسية الجديدة، صعبة للغاية، وهي بذلك ترسم صورة ضبابية لتلك المشاورات، لاسيما وأن مدتها قاربت على الانتهاء، باعتبار أنها لا تتجاوز ستين يوما بحسب ما ينص عليه الدستور.

4