خصخصة التعليم العالي في الجزائر: جرأة الحكومة على المحك

أجبرت تداعيات الأزمة الاقتصادية، الحكومة الجزائرية على الانسحاب التدريجي من احتكار ودعم الكثير من القطاعات، التي تنهك الخزينة العامة، لتفتح أبواب التعليم العالي أمام استثمارات القطاع الخاص، في خطوة غير مسبوقة وصادمة للكثير من الفئات الاجتماعية.
الثلاثاء 2016/12/06
على أبواب منعطف جديد

الجزائر - أطاحت الحكومة الجزائرية بأحد التابوهات الموروثة عن التراكمات السياسية والأيديولوجية، التي كانت تفخر برعايتها طيلة العقود الماضية، وهي مجانية التعليم العالي، حين وافقت على خصخصة هذا القطاع الذي كان حكرا على المؤسسات الحكومية.

وقررت السماح للقطاع الخاص بإنشاء جامعات خاصة، ووضعت تشريعات تحدد شروطها ومقاييسها. وقد تلقت طلبات من رجال أعمال مثل رئيس منتدى المؤسسات المقرب من السلطة علي حداد، ويسعد ربراب صاحب أكبر إمبراطورية استثمارية في البلاد، والأكبر بعد شركة سوناطراك النفطية الحكومية.

لكن الغموض لا يزال يلف القرار الحكومي ويطرح أسئلة بشأن مصير التعليم العالي والآثار الاجتماعية، بعد أن تعوّد الجزائريون على التعليم المجاني طيلة العقود الماضية.

ويخشى الكثيرون من أن تصبح الجودة والنوعية في التعليم من نصيب من يدفع أكثر، وظهور أعباء ثقيلة على الطلبة والعائلات، ترغمهم على القبول بما تقدمه الجامعات الحكومية المثقلة بالمشكلات والاختلالات، أو الانصراف عن متابعة التعليم، لأن فرص الجامعات الخاصة لن تكون في متناول الجميع.

وقد استثنى القرار دراسة الطب من الخصخصة، وفتح جميع التخصصات أمام الاستثمار الخاص، وأصدر دفتر شروط لإنشاء مؤسسات التعليم العالي الخاصة وطرق الحصول على رخصة لممارسة النشاط.

طاهر حجار: عدد الجامعات الخاصة سيكون محدودا جدا ولن تقضي على مجانية التعليم

وأوضح القرار أن رخصة إنشاء جامعة خاصة تكون على مرحلتين، الأولى مؤقتة باستيفاء الشروط المحددة بموجب تقرير لجنة وزارية مختصة. أما الرخصة النهائية، فتمنح بعد تقرير لهيئة المراقبة المكلفة من الوزارة، لتقييم كافة جوانب البرامج التعليمية والإدارية.

وكان وزير التعليم العالي والبحث العلمي طاهر حجار، قد أعلن مؤخرا عن اعتماد أربع جامعات خاصة قريبا، وأن الوزارة استلمت تلك الطلبات وهي قيد الدراسة. وقال إن الخطوة تهدف إلى خلق ديناميكية جديدة وفتح باب التنافس بين الجامعات.

وسبق أن أشار عند بدء العام الدراسي الحالي إلى أن “القطاع يغرق في مشكلات معقدة، وأن مجانية التعليم أدّت إلى انتشار الاختلالات والتسيب، خاصة في مجالات النقل والإسكان والإطعام”.

وأكد أن الوزارة تدرس “تحويل دعم الخدمات المذكورة مباشرة للطالب بدل المتعاملين الآخرين، ليتكفل بتحسين مستوى الخدمات، لأن تقديم الدعم إلى إدارة الخدمات والمتعاملين الآخرين أدّى إلى تغلغل شبكات الفساد على حساب الطالب”.

وحذرت التنظيمات الطلابية من أن خصخصة التعليم الجامعي تسمح لوزارة التعليم العالي بالتنصل من مهامها والاستعانة بالقطاع الخاص لتسيير وتمويل الجامعات، رغم أن نصيب الوزارة من الموازنة العامة، لم يتأثر كثيرا بإجراءات التقشف الحكومية.

وطلب القانون الجديد من وزارة التعليم العالي نشر قائمة الجامعات الخاصة المعتمدة مع بداية كل موسم دراسي، إلى جانب التخصصات التي يتم تدريسها، وفرض أن يخضع أي تعديل على عمل الجامعة الخاصة لموافقة مسبقة من وزير التعليم العالي.

وأشار نص القانون إلى أن تصنيف الجامعات الخاصة يخضع لنفس معايير عمل الجامعات الحكومية، وأن يطلق اسم جامعة على المؤسسة التي تدرس عدة تخصصات، وتسمية معهد أو مدرسة في حال تقديمها تكوينا متخصصا.

ومنح القانون المؤسسات الخاصة حق ضمان خدمات الإطعام والنقل لطلابها، وفق قرار وزاري يصدر لاحقا، وفرض عليها إنشاء مجلس علمي ووضع نظام داخلي للعمل.

وأكد القانون على أن تكون “برامج التكوين في الجامعات الخاصة مطابقة لتلك المعتمدة من قبل وزارة التعليم العالي” لتفادي الفوضى والاجتهادات حول مضمون المناهج التعليمية.

امتحان جديد

وعبر سمير عنصر، الأمين العام للاتحاد العام للطلاب الحر، عن مخاوف الاتحاد من أن تصبح الدراسة الجامعية حكرا على الفئات الغنية. وأكد أن الاتحاد يعتبر خصخصة التعليم الجامعي خطا أحمر ولا تراجع عنه، وأن إدارة الجامعات من قبل القطاع الخاص أمر مرفوض لأنه يمهد الطريق لتنازل الدولة عن مجانية التعليم وفقدان مصداقية الشهادات الجامعية.

وأضاف أن التحفظ بشأن الجامعات الخاصة، التي ستفتح أبوابها قريبا، يكمن في استقلاليتها عن الوزارة، لأنها تحدد مناهجها التربوية بنفسها، وتكون فيها الشهادات الجامعية محل شك وريبة، خاصة أن تلك الجامعات ستكون حكرا على أبناء الأثرياء والمسؤولين.

ويستقطب قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر نحو 1.5 مليون طالب، ويوظف 42 ألف أستاذ، في أكثر من 60 مؤسسة جامعية تتوزع على 43 محافظة. ورصدت الحكومة له في موازنة العام المقبل أكثر من 3 مليارات دولار.

ونفى الوزير طاهر حجار وجود أي نية لدى الحكومة لخصخصة المؤسسات الجامعية الحكومية، بعدما أشيع أنها تنوي بيع المؤسسات الحالية لرجال الأعمال.

وطمأن الوزير المتخوفين والمتعلقين بمكتسبات الاستقلال الوطني بالقول “الجامعة الخاصة لن تقضي على مجانية التعليم، وأن عدد الجامعات الخاصة سيكون محدودا جدا، مقارنة بعدد المؤسسات الحكومية التي شيدتها الدولة على مدار ستة عقود”.

وأبدى نقابيون من قطاع التعليم مخاوف من عواقب الخطوة في ظل ما وصفوه بـ”عدم تكافؤ الفرص بين الجامعة الحكومية الغارقة في المشكلات والاختلالات، وبين الجامعات الخاصة المنتظرة والمدعومة برؤوس أموال كبيرة، ومدى قدرة الوزارة على فرض نفس المناهج التعليمية”.

وطالبوا بالحفاظ على مصداقية التسجيل والشهادات لمنع ظهور اختلالات طبقية اجتماعية غير مسبوقة في البلاد، بين الميسورين وعامة الشعب.

كاتب جزائري

17