خصخصة شركات تونس المفلسة شر لا بد منه

الحكومة باتت مطالبة بالإسراع في تنفيذ خطط الخصخصة، وإيقاف تمرّد النقابات العمالية، بهدف التخلّص نهائيا من هذا الكابوس المزعج.
السبت 2018/05/05
الجدل يتصاعد حول الخصخصة

زخم وجدل كبيران، لا يزالان يسيطران على نية الحكومة بشأن خصخصة شركات القطاع العام المفلسة أو الدخول فيها بحصة بسيطة لا ترهق كاهل الدولة مثلما هو الحال في الوقت الحالي.

الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمالية في البلاد، لطالما تمسكت برفض اتباع هذا المسار لأسباب مرتبطة بهيكلة الاقتصاد، وتحول قيادة خدمات رئيسة للقطاع الخاص، كما تقول، ولكن تبريراتها غير دقيقة بالمرة وليست مقنعة.

الخوف الذي يسيطر على الاتحاد مفهوم، فهو نمط تقليدي في عقيدتها وتتبعه منذ عقود ولم تغير من أساليبها للتأقلم مع الوضع الاقتصادي الصعب للدولة حاليا، بل الأمر أبعد من ذلك، إذ يبدو أن قادة الاتحاد لا يقدّرون حجم الكارثة، التي تعاني منها الشركات الحكومية، التي تستنزف موارد الدولة الضعيفة.

ولحد الآن، تُهمين الدولة على كافة القطاعات تقريبا، حيث يبلغ عدد الشركات المملوكة لها 216 شركة في 21 قطاعا، أغلبها تعمل في مجال الطاقة والصناعة والصحة والخدمات، وهذا الأمر سبّب لها مشكلة كبيرة أدت إلى عجزها عن توفير الأموال لإدارتها.

الجدل يتصاعد حول الخصخصة منذ أن تقلّدت الحكومة التي يقودها يوسف الشاهد، فوضعية الشركات الحكومية، والتي ما انفكت تسجل خسائر مالية كبيرة أرهقت موازنة الدولة، بعد أن كانت تحقق أرباحا، وتساهم في تمويل الموازنة.

ومع كل المؤشرات السلبية، نجدُ إصرارا من النقابيين، على الوقوف حجر عثرة أمام بيع حصص في تلك الشركات. ثم أين الحكومة من كل هذا، أليس من المفترض أن تمسك بزمام الأمور وتطبّق الخطة الاقتصادية التي من شأنها جاءت. أليس في يدها الحل للخروج من عباءة الوصاية على تلك الشركات المفلسة؟

هناك شواهد كثيرة تؤكد أن الخصخصة ليست بدعة في تونس، بل وحققت منافع كثيرة، أبرزها تخفيف العبء على الدولة والحصول على ضرائب إضافية دون اللجوء للإنفاق، فقد اعتمدت الدولة مطلع الألفية خطوات لبيع حصص في بعض الشركات. ورغم ما مرت به تونس من أزمة حادة طيلة السنوات السبع الأخيرة، إلا أن تلك الشركات تحقق أرباحا وقيمتها السوقيّة في البورصة المحلية ترتفع باطراد.

والأمثلة كثيرة، فقد دخلت شركة الإمارات للاتصالات أحد أذرع دبي القابضة، شريكا في اتصالات تونس في عام 2006 قبل أن تبيع حصتها المقدرة بنحو 35 بالمئة إلى مجموعة أبراج الاستثمارية الإماراتية في نوفمبر الماضي، وكذلك بنك الجنوب الحكومي الذي باعته الدولة إلى مجموعة تجاري وفا بنك المغربي في 2005.

تشير أرقام كونفيدرالية المؤسسات المواطنة (كونكت) إلى أن شركات القطاع العام كبّدت خزينة الدولة خسائر بين عامي 2014 و2016 بنحو 2.85 مليار دولار، وأن الدولة ضخت لمساعدتها 4.72 مليار دولار، ولكنها ظلت تعاني من أزمات هيكلية مزمنة.

وفي ظل هذه الوضعية، الدولة لم تعد قادرة على تحمّل الخسائر المتكررة لتلك الشركات، وبالتالي فإنه لا خيارات أمامها لتخفيف حجم الإنفاق عليها سوى بيع حصصها أو تقليص مساهمتها.

لقد تسببت شركات من بينها المجمع الكيميائي وشركة الفولاذ وشركة فسفاط قفصة والشركة التونسية للأنشطة البترولية، بحسب كونكت، في استنزاف 89 بالمئة من الأموال التي رصدتها الدولة للشركات المفلسة.

كما أن الدراسات تؤكد أن حل من المشكلة المعقدة واستعادة المستوى المربح للشركات يستدعيان أن تضخ الدولة ما يقارب 2.65 مليار دولار سنويا. وهذا لن تقدر عليه الحكومة إن لم تتحرك معدلات النمو.

وما زاد من خمول تلك الشركات، هو الارتفاع الجنوني لحجم الأجور بعد أن تضاعف عدد الموظفين فيها، خلال ست سنوات فقط، إذ تظهر الأرقام أنها بلغت في عام 2016، أكثر من 1.63 مليار دولار، في حين كانت لا تتجاوز في عام 2010 حاجز المليار دولار، طبعا إذا استثنينا الفارق في قيمة الدينار بين الفترتين.

وعليه، فإن الحكومة باتت مطالبة بالإسراع في تنفيذ خطط الخصخصة، وإيقاف تمرّد النقابات العمالية، بهدف التخلّص نهائيا من هذا الكابوس المزعج.

10