خصوصية المسلمين في أميركا مخترقة من قبل أحداث 11 سبتمبر

ماذا عن عمليات التجسس على الجاليات المسلمة في أميركا قبل أحداث 11 سبتمبر 2001.
الأحد 2018/04/29
رقابة معكوسة

نيويورك - بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أصدرت الإدارة الأميركية قانون مكافحة الإرهاب (باتريوت أكت) الذي منح وكالات المخابرات الأميركية صلاحيات غير مشروطة تحت حجة الحرب على الإرهاب وحماية الأمن القومي الأميركي، للتجسّس على الناس، داخل الولايات المتحدة، وفي مختلف أنحاء العالم وجمع المعلومات عنهم، لكن ماذا عن عمليات التجسس على الجاليات المسلمة في أميركا قبل أحداث 11 سبتمبر، تحت أي مبرر كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يجند المخبرين ويخترق خصوصية المسلمين الأميركيين.

سؤال تطرحه علياء مالك في مقال نشر مؤخرا في مطبوعة “ذو نيويورك ريفيو أوف بوكس”، ويقدم قراءة لفيلم وثائقي حديث حول هذه القضية من إعداد آسيا بونداوي حمل عنوان “ما هو شعورك عندما تكون مراقبا”.

في سنة 2001، عندما كانت آسيا بونداوي في السادسة عشرة من عمرها استيقظت في الليل بسبب أضواء ساطعة اخترقت غرفتها. نظرت آسيا من النافذة لتجد رجلين يتسلقان عمود إنارة ويعبثان بأسلاك مصابيح الشارع التي وضعت حديثا.

أسرعت آسيا إلى غرفة أمها خائفة وطلبت منها الاتصال بالشرطة. لكن، الأم الأرملة حاولت تهدئة ابنتها وقالت لها “لا مشكلة، ربما يكون الأف.بي.آي فحسب. ارجعي إلى سريرك ونامي”.

لا أحد من الأشخاص الذين زارهم أعوان المخابرات في تلك السنوات يعرف بالتحديد لماذا وضعوا تحت الرقابة، وإن كانوا هم أنفسهم أو أشخاصا آخرين أو الجالية برمتها هي المستهدفة

اليوم، لم تعد آسيا تلك الفتاة الصغيرة، لكنها كبرت وكبر معها إحساس بأن هناك دائما من يراقبها، وهي اليوم صحافية ومنتجة أفلام، مهتمة بمتابعة قضية تجسس الأف.بي.آي على الجاليات المسلمة وتأثيرها على المجتمع المسلم في أميركا وعلى المجتمع الأميركي بشكل عام.

توثق آسيا، وهي من أصول جزائرية، قصتها مع مخبري الأف.بي.آي في فيلم وثائقي حمل اسم “ما هو شعورك عندما تكون مراقبا”، (إنتاج 2018) انطلاقا من تجربتها في بلدة بريجفيو من ولاية إلينوي، التي تضم قرابة 200 عائلة أميركية من أصول عربية مسلمة.

وتقوم آسيا بجمع أجزاء الحقيقة التي تقول إن حيّها الصغير كان بالفعل هدفا لتحقيق سري ضد الإرهاب قام به أف.بي.آي بيد أنها مازالت لا تعرف الكثير من الخصوصيات بما في ذلك لمَ فتح التحقيق وهل انتهى أصلا؟

وجاء في بطاقة الفيلم التعريفية أنه يتضمن عشرات الآلاف من صفحات وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي، اطلعت عليها آسيا، وتثبت أن بلدتها الصغيرة كانت موضوعا واحدا ضمن أكبر عمليات التجسس الفيدرالي في الولايات المتحدة قبل أحداث 11 سبتمبر 2001.

الخوف والانعزال

تقدم علياء مالك، قراءة لمحتوى هذا الفيلم، في أحدث أعداد مطبوعة “ذو نيويورك ريفيو أوف بوكس”، منطلقة من عدة أسئلة: ماذا يعني أن يعيش شخص تحت رقابة دائمة وأن يكبر مراهق وهو يشعر دائما بأن هناك من يراقب أدق تحركاته؟

كيف يؤثر ذلك على حياة لشخص ما؟ ماذا يفعل ذلك للقدرة الكامنة لدى فرد أو أسرة أو حي أو مجموعة؟ وما هي تأثيراته على المجتمع عموما؟

تقول آسيا إنه بحلول العام 2001، أصبح أف.بي.آي دائم الحضور في كل مكان في بلدتها. وكانت أول زيارة لعملاء مكتب التحقيقات لمنزلهم لمقابلة والدها قبل ذلك بسنوات. كان والد آسيا الذي توفي سنة 1999، أستاذ رياضيات في جامعة ولاية شيكاغو، وكان أيضا نائب رئيس المسجد المحلي.

كانت سيارات مجهولة تقف لساعات أمام المنازل، ورجال لا تبدو عليهم سمات الفقر والخصاصة يتظاهرون بالتنقيب في حاويات القمامة في الحي، ومازالت تتذكر تلك الخشخشة الغريبة على الخط عندما يتكلم أحدهم على الهاتف.

لا أحد من الأشخاص الذين زارهم أعوان المخابرات في تلك السنوات يعرف بالتحديد لماذا وضعوا تحت الرقابة، وإن كانوا هم أنفسهم أو أشخاصا آخرين أو الجالية برمتها هي المستهدفة، أو إن ساهم أي طرف من هؤلاء في عملية التجسس الرسمية. وهكذا بدأ الخوف والانعزال ينتشران في صفوف الجالية المسلمة في المنطقة.

يراوح الفيلم بين الشخصي والسياسي بينما تحقق آسيا في مسألة ما إذا كانت الجالية التي تربت فيها بالفعل تحت الرقابة الحكومية الرسمية على مدى أكثر من عقد من الزمن.

وتقول علياء مالك إنه لا يقدم إجابة قاطعة، بخصوص تفاصيل علمية التجسس التي تعود إلى عقود قبل أحداث 11 سبتمبر.

لكن، تسعى آسيا من خلاله إلى الكشف عن الحقيقة عن طريق العمل جاهدة إلى إقناع أعضاء الجالية المترددين بالكلام، لكنّ الكثيرين يرفضون الإجابة على أسئلتها، بل يلمح البعض منهم بأن عليها أن تكون أكثر احتراما لمكتب أف.بي.آي.

ويدفع صمت السكان، آسيا إلى البحث في قصاصات الصحف والوثائق التي رُفعت عنها السرية. واستنادا إلى دلائل وجدتها في تلك الوثائق تقدمت بعدة مطالب حرية الحصول على المعلومة لدى الأف.بي.آي ووزارة العدل لكن رُفضت جميعها.

بيد أن ذلك لم يثن عزمها وهي الآن تقاضي الأف.بي.آي ووزارة العدل لإجبارهما على إطلاق الوثائق المطلوبة التي أقرت الحكومة بأنها تتجاوز 30 ألف صفحة كطريقة للاعتراض على ثقل عبء ما تطلبه. وقضت المحكمة لفائدتها. وتلفت عليا مالك إلى أن آسيا اطلعت على قرابة 5000 صفحة من الوثائق، إلى حد هذا الشهر، ويأتي المزيد كل شهر تطبيقا لقرار المحكمة.

تصحيح النظرة

آسيا بونداوي، صحافية ومنتجة أفلام أميركية، أعدت مؤخرا فيلما وثائقيا حول عمليات تجسس لمكتب التحقيقات الفيدرالي على السكان المسلمين في بلدة بريجفيو من ولاية إلينوي، يسبق تاريخها أحداث 11 سبتمبر 2001
آسيا بونداوي، صحافية ومنتجة أفلام أميركية، أعدت مؤخرا فيلما وثائقيا حول عمليات تجسس لمكتب التحقيقات الفيدرالي على السكان المسلمين في بلدة بريجفيو من ولاية إلينوي، يسبق تاريخها أحداث 11 سبتمبر 2001

تقدّم آسيا في هذا الفيلم نفسها وإخوتها وأمها، على أنهم أشخاص يملكون شخصيات جذابة، كطريقة للفت النظر لما حدث لأناس لم يتعاطفوا مع الإرهابيين لكنهم لم يسلموا من أحكام الناس السلبية.

وبالإضافة إلى التحقيق في عملية التجسس الأميركية تأخذ آسيا على عاتقها محاولة تصحيح نظرة الكثير من الأميركيين للمسلمين، إذ تعمدت تضمين مشاهد مفعمة بالحيوية لنفسها وأصدقائها يتزلجون على العجلات ويأكلون الحلويات ويلتقطون صور سلفي في احتفالات العيد ونزهات تملؤها البهجة، وهو ما يمثل اتهاما بمدى الإجحاف الذي يتم به تصوير هذه المجتمعات عموما.

لكن النقاد قد يرفضون هذه الصورة، وفق علياء مالك، باعتبارها صورة تلميعية حيث ارتابت عملية أف.بي.آي بأن الهبات الخيرية التي يتلقاها مسجد بريدجفيو كانت تساعد حركة حماس. لكن لم تؤيد المحكمة أيا من هذه الشكوك ولم تفض العملية إلى إدانة واحدة بالإرهاب.

مع ذلك، أدت وصمة العار الناتجة عن هذه الاتهامات إلى إزعاج حياة الكثير من الناس، وتذكر آسيا عائلات غادرت منازلها في الولايات المتحدة (بعد العيش لعقود فيها) وبدأت حياتها من جديد في بلدان أخرى.

لكنها تختار بألا تتعمق كثيرا في تفاصيل المزاعم أو الصورة الأكبر (بعض الدوائر القضائية الأخرى في الولايات المتحدة استهدفت أيضا جاليات عربية مسلمة أميركية بناء على شكوك مماثلة تتعلق بمنح أموال في إطار الأعمال الخيرية)، مستخلصة بأن الحصول على إدانات ربما لم يكن القصد الحقيقي لعملية مكتب التحقيقات الفيدرالي.

تشبّه آسيا تجربة مجتمعها بتجربة المساجين في سجن دائري مصمم بطريقة تسمح بمراقبتهم من قبل مركز رقابة واحد، في أوقات مختلفة. ولأن المساجين لا يعرفون من المراقب ومتى، لكنهم مع ذلك هم محفزون لتنظيم سلوكهم الخاص بهم.

تستنتج آسيا بأن الشعور بأنك مراقب ربما لا يكون فقط نتيجة لعملية الرقابة بل غايتها المقصودة. وفي حين أن محاولة آسيا فهم الخيانة المبتذلة فهما أشمل سيحتاج المزيد من الوقت، ليس ذلك هو هدفها الوحيد. وإذا كانت الرقابة ستكون جزءا منتظما من الحياة الأميركية (مثلما هو الشأن حاليا) فهي عازمة على قول ذلك صراحة. وبروح الرقابة المعكوسة، فإن بونداوي تريد “مراقبة المراقبين”، وفق علياء مالك

وللتعريف أكثر بالقضية أطلق صانعو فيلم الشعور أنك مراقب، صفحة بنفس الاسم على فايسبوك، يدعو الراغبين بمساعدتهم للتبرّع للمساهمة بإنجاز أوّل «وثائقي يحكي قصّة الحرب على الإرهاب من داخل حيّ أميركي مسلم، لإيصال صوت نادرا ما يسمع»، بحسب تعبيرهم. كما دعت الصفحة للتغريد عبر وسم أن تكون مراقبا، لنقل قصص عدد أكبر من مسلمي الولايات المتحدة الذين يشعرون أنّهم مراقبون فقط بسبب ديانتهم.

7