خصومة المحامين مع التكنولوجيا.. أي الجذور أكثر رسوخا

لا يزال القانون يتشبث بما أوتي من قوة بتقاليد محامين اعتادوا ممارسة كل المعاملات وتقديم كل الاستشارات بطريقة يدوية لا تتدخل فيها التكنولوجيا قط، لكن يبدو أن الوقت قد حان لهذا أن يتغير.
الثلاثاء 2016/04/26
البقاء تحت ظلال المدرسة القديمة

لندن – دمّرت الإنترنت شركات الموسيقى ووكلاء السفر والصحف وسائقي سيارات الأجرة، والكثير من القطاعات الأخرى، بينما انتعشت تطبيقات الهاتف الخلوي وقدرة الناس على العثور على معلومات مجانية كانوا يدفعون المال مقابل الحصول عليها. وتراجعت الإيرادات، كما تعاني الصناعات القديمة في سبيل العثور على نماذج لأعمال جديدة.

ويمكن إجراء الجراحة الآن من قبل الروبوتات أو إجراؤها عن بعد. والمهندس المعماري يستخدم الأدوات الرقمية لتصميم المباني.

لكنّ قطاعا واحدا يستمر كما لو أن التكنولوجيا لم تبتكر أبدا: القانون. ويقول فريق العمل المكون من الأب والابن ريتشارد ودانييل ساسكايند في كتابهما “مستقبل المهن”، إن ممارسات العمل للمحامين “لم تتغير كثيرا منذ زمن تشارلز ديكنز”.

ولا يزال المحامون يوفرون مشورة عالية التكلفة بحسب الطلب. فالشركاء القانونيون الأعلى دخلا يترأسون شركات على شكل هرم، ويجمعون الرسوم الضخمة في حين أن فريق المحامين المبتدئين يتولى العمل الشاق المتمثل في البحث عن السوابق القانونية ووضع العقود.

هل يمكن أن يكون هذا على وشك التغيير؟ الكثير من المحامين يحتقرون فكرة أن عملهم يمكن أن يتم أبدا من خلال موقع إلكتروني أو تطبيق. لكن الكثيرين خارج المهنة، والبعض داخلها، يطورون أدوات يعتقدون أنها ستقلب الممارسة القانونية التقليدية رأسا على عقب. ولديهم حجة قوية بأن عددا قليلا فقط من الناس في هذه الأيام يستطيع تحمل تكاليف المحامي.

وتقول روزماري مارتن، وهي المستشار العام لمجموعة فودافون، إن التكلفة باهظة، “إذا كنا نحن نعتقد أنها مكلفة، فلا أستطيع أن أتخيل كيف تتدبر الشركات الصغيرة والأفراد أمورهم”.

وتضيف مارتن أن الكثير من الشركات الصغيرة تجازف، “إنها تبحث على غوغل من أجل المشورة القانونية. وهذا الأمر يرعب المحامين”.

الكثير من الناس يشعرون بالقلق من ارتفاع تكلفة المشورة القانونية. اللورد توماس، كبير القضاة في إنكلترا وويلز، قال في تقريره لعام 2015 للبرلمان البريطاني “نظام العدالة لدينا يصبح مكلفا بالنسبة إلى معظم الناس”.

ألف جنيه في الساعة

أكبر شركات المحاماة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة – وهما سوقا القانون الأكثر تطورا وتنافسية – زادت الأتعاب التي تتقاضاها بشكل حاد. ووفقا لتقرير أعده مركز دراسات السياسة، وهو مؤسسة استشارية، في منتصف الثمانينات كان الشركاء في أكبر شركات لندن يتقاضون مبلغا يتراوح بين 150 و175 جنيها إسترلينيا في الساعة. وبحلول العام 2015، وصل المبلغ إلى ما بين 770 - 850 جنيها إسترلينيا في الساعة. ومن المتوقع هذا العام أن يتجاوز ألف جنيه إسترليني. وفي العام 2014 تمتعت 74 شركة في الولايات المتحدة بأرباح لكل شريك تبلغ أكثر من مليون دولار. وبحسب مجلة “أميركان لوير”، تقدم “ووشتل” و”ليبتون” و”روزين آند كاتز”، وهي الأعلى دخلا، أرباحا لكل شريك تبلغ 5.5 مليون دولار.

روزماري مارتن: الكثير من الشركات الصغيرة تجازف وتبحث في غوغل من أجل المشورة القانونية، وهذا الأمر يرعب المحامين

وفي حين أن الكثير من الناس يرون أن هناك مشكلة في عدم التطابق بين ما يتقاضاه كبار المحامين وما يستطيع معظم الناس تحمل دفعه، إلا أن آخرين يرون ذلك بمثابة فرصة. ويقول كثيرون إن مهنة القانون جاهزة للتعطيل. فسائقو سيارات الأجرة في لندن، مثل المحامين، على درجة عالية من التدريب والمعرفة بشوارع المدينة، وهو أمر يتطلب عدة أعوام.

لكن تم قلب خدمة سائقي الأجرة ذات النوعية والأسعار العالية رأسا على عقب من قبل “أوبر”، وهو نظام استدعاء سيارات الأجرة القائم على تطبيق جلب طوفان من السائقين ذوي التكلفة الأقل، الذين يستخدمون أجهزة الملاحة عبر الأقمار الصناعية. ويقول النقاد الآن إن شيئا مماثلا سيحدث للمحامين.

ودان جانسن، الرئيس التنفيذي لـ”نيكست لو لابز”، شركة التكنولوجيا القانونية المدعومة من قبل “دينتونز”، شركة المحاماة العالمية.

ويقول جانسن، الذي لا يعد محاميا لكن لديه خلفية في مجال الاستشارات الإدارية وشركات التكنولوجيا الناشئة، مازحا إن ساسكايند الأب والابن كانا رقيقين فوق الحد. ويضيف أن ممارسة القانون لم تتغير “منذ (التوقيع على وثيقة) الماغنا كارتا” في العام 2015. ماذا يرى جانسن عندما ينظر إلى الطريقة التي يعمل بها المحامون “فرصة رائعة للتجديد، وهي طريقة مهذبة لوصف ذلك”.

وتدعم شركة نيكست الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا القانونية. وكانت أولى استثماراتها “روز إنتيليجانس”، وهي شركة ناشئة قائمة في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا الأميركية تم إطلاقها قبل أكثر من عام بقليل من قبل جيمو أوفبياجيل وأندرو أرودا.

وتستخدم شركة روز نظام واتسون للذكاء الاصطناعي من “آي بي إم” لأداء بعض مهام البحث التي يؤديهـا حاليا المحامون المبتدئون.

وقرر الرجلان التركيز في البداية على قانون الإفلاس في الولايات المتحدة لأنهما يعتقدان أنه مجال للممارسة القانونية التي تعتبر في مأمن من الركود. ويقول أرودا “الإفلاس دائما موجود”. إذن كيف يعمل نظامهما؟ يقول أرودا “لنقل مثلا إنك شركة صغيرة وتعرض أحد عملائك للإفلاس.

ويغلب على ظنك أنه ستكون هناك قضية قانونية أو اثنتان يمكن أن تساعدا على استعادة ما يدين به لك. في حين أن المحامي سيضطر للبحث عن سوابق، ربما باستخدام كلمة بحث محوسبة، إلا أن نظام روز سيبحث عبر الآلاف من الوثائق للعثور على ما تريده الشركة”.

ويمر نظام روز الآن بمراحله الأولى، كما هو الحال بالنسبة إلى معظم المنتجات التي يأمل أنصارها بأن تغير وجه الأعمال القانونية. ويقول مارك هاريس “هذا لا يزال في المراحل الأولى من اللعبة”. وهاريس هو الرئيس التنفيذي لشركة أكسيوم، التي تقول إنها مزود الخدمات القانونية القائمة على التكنولوجيا الرائدة في العالم، مع زبائن يشملون نصف الشركات المدرجة على مؤشر فاينانشيال تايمز 100 وقائمة “فورتشن 100”.

ومثل معظم زملائه الـ1500 في أكسيوم، فهاريس هو محام عمل خلال التسعينات في شركة ديفيس بولك آند واردويل، وهي شركة أميركية من الطبقة الأولى.

وأدرك هاريس الذي يتخذ من سان فرانسيسكو مقرا له، أن هناك شيئا خاطئا عندما طلب منه أحد الشركاء تجهيز فاتورة أحد العملاء. وحين أضاف الساعات التي وضعها، أدرك أنه طلب من العميل دفع راتبه السنوي بالكامل مقابل عمل لمدة شهر. وأكد “بدأت أشعر بالهوس: إلى أين تذهب تلك الأموال؟”.

وأدرك هاريس أنه، باستثناء أرباح الشركاء، فإن الأموال كانت تذهب إلى اللوحات الفنية التي كانت معلقة على جدران الشركة. ويقول “ليس فقط العميل هو من كان غير راض عن هذا الترتيب. كذلك كان الكثير من المحامين المبتدئين يشعرون أنهم منهكون من العمل ولا يتقاضون أجرا مناسبا ولا يحصلون على التقدير”. وفي العام 2000 أطلق هو وأحد الأصدقاء شركة أكسيوم لتقديم خدمات قانونية أرخص للشركات، من خلال التخلص من التكلفة عن طريق جعل المحامين يعملون في مكاتب العملاء أو من المنزل، أو من مكاتبها التي تشبه المخازن. على مدى أعوام، زادت شركة أكسيوم من استخدام التكنولوجيا في خدمة عملائها.

قطاع القانون مستمر كما لو أن التكنولوجيا لم تبتكر بعد

رفع الأسعار

بعضهم يستخدم “أوبر” لشرح كيف يتم تعطيل شركات القانون. لكن هاريس يفضل الحديث عن كيف يتم صنع الطائرات.

وكان الأخوان أورفيل وويلبر رايت مصممين حرفيين للآلات الطائرة. الطائرات اليوم لا تبنى من قبل الحرفيين بل من قبل شركات بقيادة إيرباص وبوينغ.

ولا يزال القانون في مرحلة الحرفية، حيث يشكل المحامون المشورة الفردية للعملاء. الطريقة لتخفيض التكاليف هي بممارسة الكثير من العملية. من بين خدمات أكسيوم توجد إدارة عقود العملاء.

ويقول هاريس “نحن نأخذ جميع وثائق الإرث الخاصة بهم ونضيف هيكلة لتلك المعلومات. في صميم هذه التكنولوجيا يوجد نموذج بيانات يربط المعلومات ضمن وبين الاتفاقيات”. ويضيف “قد ننظر إلى تواريخ التجديد وفرص البيع”.

بعض المنتجات مصممة لمساعدة الدوائر القانونية الداخلية على إدارة أعمالها بفاعلية أكبر. وتطلق شركة ريفرفيو لو، وهي شركة قائمة في شمال غربي إنكلترا، ما تدعوه “المساعدون الافتراضيون”. وبموجبه يكون محامو الشركات في الداخل قادرين على استخدام هذه الأنظمة لتحديدها على “لوحة رقمية”، الوحدات التي حدثت فيها المشاكل، ومخاطر أي قضية، ومن يعمل عليها، وكم تستغرق.

كارل تشابمان، الرئيس التنفيذي لشركة ريفرفيو، وهو خريج كلية الحقوق لكنه لم يمارس المحاماة قط. ومع خلفية في الموارد البشرية وخدمات التوظيف، يقول إنه “مذهول بسبب المقدار القليل من المعلومات الذي يملكه المحامون والدوائر القانونية الداخلية عن عملهم، الذي يراوح من مدى تكلفته إلى المدة التي يستغرقها”.

وأضاف “عدم وجود بيانات في هذه السوق يعد مفاجأة حقيقية. تجار التجزئة والشركات الأخرى يملكون بيانات حقيقية ويتخذون القرارات على أساسها”. ويبدو أن الكثير من التكنولوجيا بدائية مقارنة بما يحدث في الصناعات الأخرى. لكن أولئك الذين يؤمنون بها يعتقدون أنها يمكن أن تتجاوز رقمنة العمليات الروتينية اليومية إلى العمل المعقد من النوع الذي يعتقد المحامون أنهم وحدهم من يستطيعون أداءه.

ويقول الكثيرون إن القانون يقترب من لحظة صعود أوبر، لكن بعضهم يهزأ من الفكرة.

ويقول أحد المحامين من نيويورك “ظل الناس يتحدثون عن هذا الأمر منذ أن كنت محاميا. سوف أصدق الأمر عندما أراه”. ويبني معارضو الفكرة وجهة نظرهم على حقيقة أن الأشخاص المتربعين في المراتب العليا لشركات القانون هم الأكثر نجاحا وليس لديهم الكثير من الحوافز للتغيير لأن النظام يخدمهم بشكل جيد.

ويقول هاريس “معظم هؤلاء الناس يعملون منذ 20 عاما ليصلوا إلى المراتب العليا للشركات والآن هم يجنون الرسوم. ولكونهم شركاء، فإنهم يوزعون الأرباح في ما بينهم وليس لديهم حافز كبير للاستثمار في التكنولوجيا الجديدة. ومن وجهة نظرهم، يقول رئيس تسويق في واحدة من شركات القانون الأميركية: ليست هناك منصة محترقة تستدعي القفز للخروج من السفينة”.

وهناك قوى أخرى تعمل لمصلحة مهنة القانون التقليدية. فمنذ الأزمة المالية عام 2007، ارتفع مستوى التنظيم، كما أن الشركات مازالت خائفة من الإقدام على تقدير خاطئ، لذلك تستمر في الإنفاق على الخدمات القانونية، وهذا صحيح على وجه الخصوص عندما تدخل أسواقا جديدة.

ووفقا لجو أندرو، رئيس مجلس إدارة شركة دينتونز، هناك “عامل خوف. دائما ما يكون الناس على استعداد لإنفاق المال على المجهول. عندما تدخل سوقا جديدة، تكون هناك مخاطر جديدة. هناك خطر من إلحاق الضرر بالعلامة التجارية”. ويضيف “يتم طرد الرؤساء التنفيذيين بسبب هذا النوع من الأخطاء”.

13