"خضوع" لميشيل هويلبيك رواية الخيال المريض

الأحد 2015/01/18
الكاتب الفرنسي في هواجسه العنصرية

أحداث القتل الفظيعة التي ارتكبها شبان مسلمون في فرنسا وبلجيكا وهولندا وبريطانيا، ومشاهد ذبح بعض الغربيين في سوريا والعراق والجزائر والساحل الأفريقي، وتنامي دعوة التنظيمات الإرهابية إلى نقل الجهاد إلى أوروبا وأميركا وحتى أستراليا، مع ما يتبع ذلك من نشرات إعلامية ومطارحات على المنابر التلفزيونية، كل ذلك هيأ مناخا من العداء ضد كل ما هو مسلم، فلم تعد أحزاب اليمين واليمين المتطرف وحدها تحذر من خطر الإسلام على الديمقراطيات الغربية، وعلى أمن شعوبها، وحتى على معتقداتها، بل تماهى مع خطابها المعادي للإسلام والمسلمين جمعٌ من المثقفين، في طليعتهم الفيلسوف ألان فينكيلكروات، وهو يهودي من أصل بولندي، زعم في كتاب “الهوية التعسة” أن الإسلام يهدد الهوية الفرنسية، وإريك زمّور، وهو أيضا يهودي من أصول قبائلية جزائرية، راكم في كتابه “الانتحار الفرنسي” مغالطات كثيرة حول الخطر الذي يمثله المهاجرون – العرب المسلمون تحديدا – وبلغ به التطرف مبلغ دعوتهم إلى العيش على المنوال الفرنسي، من حيث المأكل والمشرب والملبس وتسمية الأطفال، أو ترك البلاد نهائيا، كما جاء في حديث له بجريدة “كورييري ديلاّ سيرا” الإيطالية.

وكنا نظن أن الأدب الروائي، بما هو مكمّل لحقول المعرفة الأخرى كالفلسفة والحقوق والعلوم الإنسانية وعلوم الأخبار، يملك قدرةً مخصوصة على تمثل العالم، في تجلياته وتحولاته، وطاقةً على تصوير الإنسان في حالات انتصاره وانكساره بعيدا عن الشعارات الحزبية المريبة، ومعاطن السياسة الرخيصة، غير أن الفرنسي ميشيل هويلبيك، المتوج بجائزة غونكور عام 2010 عن رواية “الخارطة والإقليم”، شذّ عن هذه القاعدة، ونشر رواية تقع بين النقد الساخر والعدمية اللامسؤولة، ينعى فيها موت الإلحاد والعَلمانية والجمهورية، ويصور انحطاط الغرب وتهافت قيمه الليبرالية الزائفة، وضياع الفرد الباحث عن خلاص ما عاد يجده، ما يدفعه إلى الانصياع لملّة أخرى تحكمه، ملة الإسلام التي تبسط سلطانها على فرنسا، وتخضعها لشريعتها.

الرواية بعنوان (Soumission) وتعني الخضوع والرضوخ والإذعان والامتثال والانقياد، وهي من النوع الاستباقي الديستوبي، أي الذي ينطلق من واقع معين ليحذر، عبر صياغة سردية متخيلة، من أخطار محتملة تكبت حريتهم وتهدد نمط عيشهم وتفكيرهم.

وأحداثها تدور في فرنسا عام 2022، حيث يتحالف “الحزب الاشتراكي” وحزب “الاتحاد من أجل حركة شعبية”، بعد سقوطهما في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، مع محمد بن عبّاس قائد حزب “الأخوّة الإسلامية”، لسدّ الطريق خلال الدور الثاني أمام مارين لوبين زعيمة “الجبهة الوطنية”. وابن عباس هذا إسلامي معتدل “له هيئة بقال تونسي طيب”، لا يعادي السامية ولا يناصر القضية الفلسطينية إلا من طرف اللسان. وبتوليه الرئاسة، يتغير وجه البلاد وتستعيد ازدهارها، ذلك أنه تنازل عن وزارات السيادة لحلفائه من الأحزاب التقليدية، من اليسار واليمين والوسط، واحتفظ بوزارة التربية، فأحكم قبضته على المعرفة من خلال أسلمة الجامعة، وبدأ يطبق الشريعة، فألغى المساواة بين الذكر والأنثى، ودعا إلى تعدد الزوجات، وعودة المرأة إلى فضاء الأسرة، وتعميم الزي الإسلامي.

الرواية سياسية بالدرجة الأولى، وإن شئنا الدقة، مقالة سياسية في ثوب روائي، رغم استنادها إلى أطروحة قديمة مدارها تيه الفرد الذي ليس له مثل أعلى يقتدي به أو مطمح يسعى لتحقيقه

وبذلك أعاد البطريركية، فتقلصت الحريات ولكن عمّت السعادة، خصوصا بعد أن تراجعت نسب البطالة بفضل خروج النسوة من سوق الشغل، وبفضل الأموال الخليجية. ولم يكتف ابن عباس بإصلاح الأوضاع الاقتصادية في فرنسا، بل عمل على تأسيس قوة سياسية أورو متوسطية، على غرار الإمبراطورية الرومانية، انتخب رئيسا لها، فزالت العَلمانية والمادية الملحدة والديمقراطية وناب عنها الإسلام، ليمنح شعوب هذه الإمبراطورية مترامية الأطراف عهدا من الرخاء والازدهار.

نكتشف تلك الأحداث عبر جامعي خامل محبط يدعى فرانسوا، في حالة “يأس هادئ” حسب عبارة كيركيغارد، خصوصا بعد رحيل عشيقته إلى إسرائيل، واضطراره إلى إقامة علاقات جنسية عابرة أو مدفوعة الأجر، ولا يجد الألفة إلا لدى الكاتب الفرنسي جوريس كارل هويزمانس (1848- 1907). ويظل يتابع التحولات من حوله في سلبية مطلقة، مترددا بين اعتناق الكاثوليكية سيرا على خطى كاتبه المفضل، أو الإسلام لاستعادة وظيفته في الجــامعة، التي صـــارت هي أيضا إسلامية.

وفي النهاية يختار الحل الثاني ليس عن قناعة، بل لما يوفره له من مضاعفة راتبه ثلاث مرات، وإمكانية الزواج من ثلاث نساء مطيعات حدّ الخضوع، “الكبرى للمطبخ، والصغريان لممارسة الجنس”.

فالرواية سياسية بالدرجة الأولى، وإن شئنا الدقة، مقالة سياسية في ثوب روائي، رغم استنادها إلى أطروحة قديمة مدارها تيه الفرد الذي ليس له مَثلٌ أعلى يقتدي به أو مطمحٌ يسعى لتحقيقه. وقد صيغت بأسلوب سردي سطحي، مملّ في مواطن كثيرة، ممزوج بسخرية عقيمة لا تسمح بتبين موقف الكاتب من السيناريو الذي خطط له، كحدث ممكن الوقوع. فمن ناحية لا يخفي هويلبيك عداءه للإسلام، وكان عبّر عن ذلك منذ عام 2001 في حديث لمجلة “لير” الفرنسية بقوله: “الدين الأغبى هو الإسلام بطبيعة الحال. عندما نقرأ القرآن، نصاب بانهيار! الإسلام دين خطير، منذ ظهوره”.

ومن ناحية أخرى يقدم الإسلام في روايته هذه كمنقذ من الحيرة التي يعيشها الفرد في حضارة توشك على الانهيار، ومجتمع تسوده حرية مفرطة، وشكّ دائم، وفوضى ليبرالية عارمة فككت البنى الاجتماعية والعائلية والبطريركية، وأضرت بالحياة الجنسية.

والغريب أن المجتمع الفرنسي كله، بنسائه ورجاله، بنخبه السياسية والثقافية والفنية والفكرية، يستسلم بقدرة قادر لمشيئة الحكام الجدد، فلا أحد يعترض على أسلمة فرنسا، البنت الكبرى للكنيسة، كما توصف عادة، أو يبدي أدنى مقاومة ضدّ الذوبان المعلَن.

ومن عجبٍ أيضا أن الجالية المسلمة التي لا تملك نائبا واحدا في البرلمان، ولا أي مسؤول سياسي متنفذ، ولا مجموعات ضغط على غرار اللوبي الصهيوني، ولا وسيلة إعلام كبرى، تستطيع، بفعل خيال مريض، أن تؤسس حزبا، له من القوة ما يجعله يهزم الأحزاب التقليدية، ويستــولي على السلطــة في سبعة أعوام، في ظرف بلـــغ فيه عداء الإســلام والمسلمــين ذروته.

رؤية استباقية بلغة فانتازية عن فرنسا مسلمة

إن الانطباع الذي تتركه الرواية في نفس القارئ، حتى غير المسلم، هو شعور بالضيق، والاشمئزاز في أغلب الأحيان. وأيّا ما كانت حجج هويلبيك في التنصل مما جوبه به (في الحوارات التي عثرنا عليها قبل صدور الكتاب) فإنه يقيم الدليل في عمله هذا على تسرب أطروحات اليمين المتطرف إلى النخبة المثقفة. وبخلاف كل ما قيل حتى الآن، لا يرشح من خطابه الروائي وجه إيجابي للإسلام. فهو أبعد ما يكون عن التيار الاستشراقي للفاشية الرومانسية ( توماس إدوارد لورنس مثلا) الذي يرى في ديننا المنقذ الوحيد للحضارة الغربية، والدليل أن كل الشخصيات التي اعتنقت الإسلام هنا، لم تفعل ذلك انبهارا بروحانية ديننا، وإنما طمعا في الجنس والمال. ولكن الكاتب هنا قريب من النظريات الحديثة التي يروجها المعادون للإسلام، مثل البريطانية بات يي أور، وهي يهودية من أصول مصرية (ويذكرها الكاتب بالاسم ص 158) وكانت صورت في كتابها “أوروبا وشبح الخلافة” شعوب القارة العجوز ذمّيين داخل قارة، يتغير اسمها من أوروبا إلى “أورابيا”، وتتخلى عن جذورها العقائدية، وتتخلص من جالياتها اليهودية إرضاء لأسيادها الجدد. وكذلك الفرنسي رونو كامو صاحب نظرية “التعويض الأكبر” وقد دأب على تحذير الفرنسيين من زحف المسلمين الذين سيحلّون محلهم آجلا أم عاجلا، وسائر النابشين في جسد الإسلام حاليا، في فرنسا وسواها من البلدان الغربية.

وهويلبيك إذ يصف أسلمة الجامعات إنما يستعيد ما وصفته بات يي أور بـ”الجهاد التربوي”، هذا الجهاد الذي سيكون العمود الفقري لروايته، فالإخـضاع يتم عن طريق أسلمة المنظومة التربوية.

وحين يتحدث عن مسلمين يحكمون أوروبا وما وراءها فإنما يتبني نظرية العنصري رونو كامو. ألم يصرح هويلبيك لإحدى القنوات التلفزيونية الإسرائيلية عام 2011: “ثمة تزايد مطلبي لدى المسلمين منذ بضع سنوات، لا يمكن أن ننكر ذلك… هم يطالبون بارتداء النقاب الشامل… عقلية العمالة مع قوة أجنبية، أي الأصولية الإسلامية، وتصاعد هذه العمالة هما الغالبان الآن في فرنسا. نجد ذلك في عدة أوساط”.

يصدر هذه الأحكام وهو الذي اختار الإقامة بعيدا عن بلاده منذ عام 2000 (في برشلونة ثم في أيرلندا) تهربا من الأداء الجبائي، ثم يدخلها دخول الفاتح بعد أن احتضنه اليمين وعدّه كاتبا وطنيا على غرار أندري جيد وسارتر ومالرو وألبير كامو، وجند حوله النقاد والدارسين فجعلوا منه أيقونة ليس من السهل وضع أدبه موضع استنقاص. بل إن جريدة لوفيغار لا تستحي في إحدى افتتاحياتها أن ترى في هذه الرواية نذيرا من مصير محتوم، أما الكاتب إمانويل كارير فلا يخجل أن يشبّه هذا العمل المتواضع برواية ألدوس هسكلي “عالم جديد رائع” أو رائعة جورج أورويل “1984”. وما هي في النهاية سوى محاولة دنيئة أخرى لجعل الجالية العربية المسلمة كبش فداء، أو شماعة يعلق عليها دعاة الهوية الخالصة تردي أوضاع بلادهم الاقتصادية والمجتمعية.

12