خضير ميري ظاهرة لن تتكرر

الخميس 2016/01/21

رحل خضير ميري في نهاية المطاف بعد أن حوله المرض إلى قطعة صغيرة من الألم استوعبها ميري بالتدريج حتى توازنت القامتان، ميري ومرضه، ورحلتا بهدوء إلى العالم الآخر.

ميري الفيلسوف الصغير، الجدلي، الناقد، القاص، الروائي، المثقف، المجنون أيضا هو ظاهرة لم يسبق أن شهدتها ساحة الثقافة العراقية في مجمل منعطفاتها التاريخية، وهو الأديب الوحيد الذي مارس الجنون افتعالا للخروج من حبل المشنقة ذات يوم، لكنه استمر به حتى وفاته وتلبسه وصار جزءا من شخصيته، بعد أن كتب قصصا وروايات عن ذلك المشفى الغريب العجيب الذي لم يدخله أديب عراقي سواه والذي دخل وخرج منه بامتياز في ثمانينات القرن الماضي المحفوف بالمخاطر والتعبئة العسكرية الصارمة.

بدأ ميري فيلسوفا صغيرا في مشهد ثقافي لم يعتد وجود مثل هذه الكائنات الجدلية التي تتحرك على قواعد ربما فوضوية في كثير من الأحيان، فأصدر كتابه عن الإشكالية الفلسفية وهو بعمر 18 عاما تقريبا، ومع أن ميري؛ وهو قارئ ذكي جدا؛ يعرف أن أجواء الحرب الثمانينية لا تستوعب مثل هذا الجدل بل وتشكك فيه تحت إمرة سلطة عسكرية كابوسية، لذلك أجل مشروعه الفلسفي في إشكالياته النظرية الكثيرة والمعقدة وانصرف إلى القراءة مبتعدا عن أجواء مريبة تطارد رأسه وشخصه فكانت المصحة العقلية ملاذه الأخير كحماية له من تعسفات سلطة تعتمد الوشايات والمخبر الأمني وسائل لها لتعقّب الأثر الإبداعي في موضوعه الفلسفي على سبيل المثال.

ميري واحد من أفضل أدباء العراق ثقافة موسوعية في الفلسفة والنقد الأدبي والفني وبقلمه تتحول النظريات إلى تمارين يدوية يمارسها تشريحا وتوصيفا دقيقا، مثلما يتحول الأثر الإبداعي عنده في السرديات والشعريات إلى عناصر يتعامل معها بمنطق شخصي هاضم لمجمل الطروحات النقدية التفصيلية التي تضع أنظمتها النقدية بقياساتها الفنية واللغوية. لذلك فإن ميري قارئ من الطراز الأول وهاضم من الدرجة الأولى لكل معطيات الثقافة العربية والعالمية بقدر ما كان يصلنا في تلك الأوقات الحرجة من الحصار.

"أيام الجنون والعسل" واحدة من أفضل عطاءاته السردية المشغولة بحرفية وهي تتقصّى الوجع الاجتماعي في المصحات العقلية العراقية؛ وحكايات من مستشفى الشماعية أثر نادر لتوصيف عام الجنون، الفريد في تكويناته الغرائبية، أما قصته العظيمة كيس أسود فهي واحدة من أكثر قصص الحرب براعة في الأداء العجائبي والفني الذي يغرق في إدانة الحرب بطريقة ذكية جدا وجرأة يُحسد عليها ميري وهو يتقصّى معطيات الحرب ونتائجها من منظور اجتماعي فلسفي يدين الحرب من منظور ثقافي- اجتماعي غاية في الإتقان.

لم يُكتب لميري أن ينتشر عربيا سوى في مصر حيث أقام هناك في سنواته الأخيرة وتمكن من أن "يخترق" الجو الثقافي المصري بحضوره الشخصي اللافت للأنظار في براعته لإدارة الأمسيات الأدبية وثقافته العامة وهو يستقرئ الحراك الثقافي المصري القائم على قدم وساق، ويقدم أسماء المثقفين المصريين باستيعاب خالص لكتاباتهم الروائية والشعرية والنقدية بالرغم من الفترة القصيرة التي قضاها قبل أن يعود حاملا مرضه إلى بغداد ويموت فيها.

كان ميري مشروع فيلسوف في مشهد ثقافي عربي يخلو من هذه المواصفات، ولو كان في بلد مستقر آخر لأنتج من هذا الميري شخصية فلسفية ونقدية نادرة، لكن سوء حظه أوقعه في بلد لا تمر عليه سنة إلا وهو في حرب حتى تعددت الحروب وصارت قوافل الشهداء -وإلى اليوم- إحدى أكثر مميزات هذا البلد الذي يتعامل مع الناس كقطعان حروب مستمرة. خضير ميري كان ظاهرة نادرة فعلا. لكن لن تتكرر للأسف في ظروف مثل ظروف العراق الظالمة والمظلومة.

كاتب من العراق

14