خطابات الجعفري: أربعة مجلدات من ثريد الكلام!

السبت 2013/08/17
واعظ ديني أضحى رئيسا للوزراء في لحظة شاذة من تاريخ العراق

لم يكن الجعفري معروفاً مِن قَبل، سوى أنه يُقدم مجالس وعظ للنساء في لندن مقابل ما يجمع بينهنَّ له مِن المال، وأيضاً يذهب سنوياً مع الحجاج في حملة حزب الدعوة وهي «حملة المصطفى»، يُقدم فيها الوعظ بمناسك الحج.

أربعة مجلدات جمعت خطابات إبراهيم الجعفري، الواعظ ثم رئيس الوزراء السَّابق. العنوان الرئيس للمجلدات الأربعة هو «خطاب الدَّولة». وعلى صفحة الغلاف صورة الجعفري كبيرة، محاكياً للزعماء الكبار في التاريخ، وفي داخلها صور عديدة وهو يحيّي الجماهير، وهم يستقبلون سيارته المكشوفة، أو يتحدث معهم في المجالس، أو مستقبلاً وفداً، وبطبيعة الأمر المتحدث هو لا غيره.

عُرف عن الجعفري بعد أبريل 2003 كثرة الكلام غير المترابط، وهو يسميه بالخطاب، فحسب ما نقله وزراء كانوا في وزارته بأنه يتحدث أكثر من ساعة عن فوائد العدس، لأن الحكومة تريد منح كل عراقي ربع كيلو عدس مع الحصة التموينية. كذلك أن بول بريمر وصف حديثه بالكلمات المتقاطعة! وهو كذلك عند الكثيرين.

طلب العظمة

الكلام التائه غير المترابط للجعفري جُمع في أربعة مجلدات،وهو على ما يبدو حالة جنونية في طلب العظمة، ففي الإهداء تراه يؤكد على تلك العظمة، قال: «لا دولة بلا خِطاب ولا خِطاب بلا حُب ولا حُب بلا تضحية حين يلتقي الحبان، حُب البذل لدى المُعطي، وحُب الأخذ لدى المتلقي يتجلى التخاطب وهو أبلغ الخِطاب».
لكن الجعفري وهو يبذل الحُب والعطاء نسي أنه لم يتنازل عن رئاسة الوزراء إلا بعقد يسمح له بالسيطرة على القصر الرئاسيى المنيف في المنطقة الخضراء الذي يسكنه، لخمسين عاماً، ومن يدري لعله صار ملكه الشخصي. وأنه ما إن دخل العِراق وصار مسؤولاً إلا وتبدلت أحواله، طابور من سيارات الحماية حوله وخلفه، ومحطة فضائية، وتشكيل حزب «الإصلاح» ومباشرة صارت له مقرات وجماهير واسعة؟

مشكلة إبراهيم الجعفري أنه موهوم بأنه مثقف و مفكر بل ومصلح اجتماعي، والكلام الذي يقوله يدخل في حقل الفلسفة، فتراه يتقمص دور المفكرين. وبما أن الخطاب الخالي من تطبيق يصبح ثريداً خالياً من العظام واللحم فهو مجرد ملء الفراغ.

وهذا الوصف لصاحب الخطاب نفسه في إحدى محاضراته، التي حرص أن يسميها خطاباً: «إن الخطاب في المرحلة الحاضرة يملأ لنا فراغاً كبيراً، ولطالما كنا نعاني مِن أزمة خِطاب، وحين يلتحم الخطاب بالخطيب والتجسيد يكون الخطاب قد انطلق مِن عُمق الخطيب المعطي، لينفذ إلى عُمق المتلقي». إنه ثريد في ثريد، وإن قبلناه على أنه خِطاب فأي عطاء أعطاه الجعفري، وأي فكرة طبقها!

أما الناشر في كلمته شرح (بعمق) معنى خِطاب الأشيقر الجعفري قائلاً: «ليس الخطاب عِبارة عن متواليات لفظية، تحكمها قواعد وأُصول التَّضام (هكذا وردت) النَّحوي، والاتساق اللغوي فحسب، بل هو منهج ذو أدوار متشابكة ووظائف آيديولوجية…»! أقسم أن الناشر لم يفهم شيئاً مما كتب، ليس لصعوبته إنما لحَيرته مع خطاب الجعفري نفسه.

إبراهيم الجعفري سمَّى نفسه القوي الأمين، وهذا هو ما سميَّ به النَّبي موسى، حين قالت ابنة المصري لأبيها، حسب الآية: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ»(سورة القصص)! ولكم أن تتصوروا الغرور وطلب العظمة الفارغة، أن تصبح هذه العبارة في الدعاية الانتخابية للجعفري؟

رجل ماضوي

الوعاظ وجامعي الاعانات آنذاك صلاح عبدالرزاق والجعفري والمالكي
الخطاب بثرد الكلام!
المجلدات الأربعة، التي ضمت خطابات إيراهيم أُشيقر الجعفري، تنبئك عن الضمأ للشهرة، وبما السلطة كنيابة رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ومن قبل النطق باسم حزب الدعوة، لم توفر له الشهرة، لأنها فشل وراء فشل، وأيام مرت على العراقيين لجتاحهم العوز للخدمات العامة واضطراب في مواجهة العنف، لذا لجأ الجعفري، وهو الاسم الذي لا يمت له بصلة، إنما اسماً حزبياً، اعتز به وهو في السلطة لفائدة انتخابية تعتمد على الهوى الطائفي.

ما أن صار الجعفري رئيساً للوزراء، ولم يكن منتخباً لشخصه ولا لحزبه إنما لطائفته، حتى أعاد السلاح للميليشيات، ذلك الذي باعوه في أيام رئيس الوزراء آياد علاوي للحكومة مقابل المال، ويبدو هذه كانت صفقة كي يكون رئيس وزراء، وليس الجعفري فقط إنما نوري المالكي أيضاً حلَّ محل الجعفري بصفقة مع المليشيات.

كان عمل الجعفري بلندن معروفاً لدى القاصي والداني، فهو لم يمارس الطب في يوم من الأيام بعد الخروج من العراق، فقام بدور الواعظ والمفتي للنساء، يجتمعن في دار من الدور ويُلقي عليهنَّ محاضرته مقابل مبلغ من المال يجمع من الحاضرات، ثم أخذ يقوم بدور الواعظ في حملات الحج والحملة كانت تسمى بالمصطفى وهي حملة حزب الدعوة.

خطابات إبراهيم الجعفري في أيام وعظه وفي أيام سلطته تستهزئ بعقول العراقيين، ليس لذكائه أو قوة خطابه، إنما لقول أي شيء على أنه فلسفة وفكر، وهنا يحاول لعب دور المثقف المفوه، فهو يعتقد في داخله أن ما يقوله تعبير عن قراءة معمقة، وليس بديهيات فمثلاً تجده يخاطب طلبة جامعة البصرة، متذكراً أيام كان طالباً، مفسراً مرحلة الشباب «أخوتي الأعزاء هناك نظريات كثيرة ترى الشباب مفصل أساسي لبناء المجتمع، ولكن للأسف الشديد أن النظريات العلمية عندما تفسر مرحلة الشباب، لا تنظر إلى هذه المرحلة كما ينبغي، حيث ذهب كريندر إلى أن الشباب يمثل مرحلة الضياع، وذهب فيكانوس إلى جانب كريندر فيقول: إن الشباب يمثل عادة انفعالية مضطردة، ويذهب فرويد إلى أن مرحلة الشباب هي حالة انعكاسات لا شعورية ناتجة عن الهياجات الغريزية، وبشكل خاص الغزيزة الجنسية».

يظهر الجعفري أمام الطلبة المساكين، في حر الصيف بلا كهرباء ولا مستقبل ووسط نار المتفجرات، على أنه عالم بكل شيء في نظريات الغرب والعرب. تراه يتحدث عن الوطن كفكر ومنظر.

على أية حال إن الاسراع بطبع هذه المجلدات وبهذه الضخامة وجلب من يكتب عن عظمة الخطيب ليست إلا محاولة للجعفري لتقليد الماضين، وكأن ليس هناك جديد، ولو سئل الجعفري عن التنظير والتفكير والممارسة والتطبيق لجعل نفسه هو علي بن أبي طالب، مع أن الناس تسأل كيف تحول الذي يعيش على الإعانة البريطانية إلى صاحب وسائل إعلام وحزب له مكاتب متعددة ويقيم في قصر منيف إذا كان على هذا المستوى من الوطنية والإخلاص حسب خطاباته، يبدو أن سكنه في ذلك القصر المنيف، ومكان الحكم نفسه، لا يعوزه إلا أن يكون خطيباً، ومجلدات خطاباته أخذت مكانها في الدوائر والمنازل.

كم مسكين الشعب العراقي وكم من خطباء مروا عليه، إلا الجعفري جمع عليه الخطاب بثرد الكلام!


ملأ الجعفري خطاباته بمصطلحات متناثرة، لا رابط بينها، سوى أنه كلام: الماضوية، البعد المجتمعي، الفسيفساء، «صورة الأُمومة على ضوء الأُمومة»، وغيرها الكثير.

مع ذلك فالسفير الأمريكي عندما وجد أن الجعفري غير صالح لرئاسة الوزراء، لأنه لا القوي ولا الأمين، وأن خطابه الذي يسميه خطاب الدولة يدخل من هذه الأذن ويخرج من الأخرى، ترى السفير يخاطبه، ويُسجلها الجعفري في كتابه: «لقد كنت قائداً عظيماً، وأنا متأكد مِن أنك ستظل القائد العظيم لهذا البلد»! حرام عليك يا زلماي على هذا النفاق؟ فاقرأوا ما قال فيه حاكم العراق المدني بول بريمر إنه لا يجيد سوى الكلمات المتقاطعة!

على أية حال ليس هذا هو المهم، إنما ما يُضحك به على العراقيين بثريد الكلام، وهذا الثريد قد ألقى محاضرات في شتى مدن الجنوب والوسط العراقي، على النساء والشباب، فيبدو المستمعون من صورهم قد أخذتهم المفارقة بين ما يثرد الجعفري في آذانهم وسلوكه وهو رئيس وزراء ورئيس ائتلاف، وله فضائية مختصة بخطاباته، وها هو يستغل صورهم كدعاية لعظمته.

الطائفي بامتياز

يقول الجعفري: «نحن نؤيد مَن يُسخّر المنصب لخدمة الشَّعب، ولا نؤيد مَن يُسخّر الشَّعب لخدمة المنصب، ومَن لا يستطيع ذلك فلينسحب، لأن العِراق منجب الأبطال، والبيوت مصانع لأصحاب الكفاءات….»!

الجعفري في كلامه هذا ينزه نفسه عن حُب المنصب، وعن تسخير الناس لأجل المنصب، ويُقدم نفسه على أنه كفاءة، وأنه الوطني الأول. طيب ألم يترأس الجعفري ائتلافاً طائفياً (الائتلاف الشيعي)، وكم سنيا أو غيره في حزبه «الإصلاح»؟ ألم يتمسك بالمنصب حتى سحب الكرسي من تحته، وظل يردد ما كان الملك فيصل يردده: «شعبي العظيم»!

الجعفري الذي يؤكد دائما في خطاباته على ما يفتقد إليه، وهو الكلام والواقع، ويريد أن يزرع في نفسه صورة أنه الزعيم المحبوب المرتقب لهذا الشعب المسكين، فتراه يقول: «الأمانة لا تعني أن نُردد ألفاظاً ونزوق الجدران بأكبر عدد من اللافتات والصور، والأمين مَن يقرن نفسه دائماً بالتضحية والعطاء بالصدق مع شعبه، لأن الناس لا يحكمون على الأمين وعلى القوي مِن خلال مقولاته وإدعاءاته بل يحكمون عليه من خلال مواقفه، وما قدمه في السنوات التي مضت»!

لا نريد أن نُذكر الجعفري بما قبل السلطة وخلالها وبعدها، فالكذب بالإعانة الاجتماعية في لندن لا تعني أنه كان أميناً وكان قوياً، وأن الفورة المالية بعد السلطة كذلك لا تعني ذلك. بل وهو لكثرة ما يركز في كلماته على الخطاب والموقف كأنه يريد تأكيد ما يفقده. وفي الكتاب هناك ما يشهد على النرجسية العالية، من استقبال الجماهير، ورفع صوره، وجلب مَن يُحلل ويفسر خطاباته!

أخيراً لو انتظر الجعفري قليلاً وأصدر خطاباته للجماهير، فالناس ما زالوا متعبين لا أظنهم سيفهمون عبارة الجعفري «الثابت الرياضي لا يختنق في عنف المتحولة السياسة».

صبرا ياشعب العراق

صبرك الله يا شعب العراق، وأعطاك روحاً تتحمل بها «خطيب الدَّولة»، الذي أراد أن يمثل دور ميرابو خطيب الثورة الفرنسية. أيها الخطباء استفيدوا من المعلم الجعفري وهو يقول: «ومعنى أن يكون الخطاب خطاب دولة هو أن تنظم فيه التراتبية الروحية والمعرفية والنفسية والاجتماعية، لأنها جميعاً مؤثرات في بناء الفرد وهو وحدة بناء المجتمع»!

13