خطابات الملك محمد السادس.. كل خطاب مكمل لسابقه

ركّزت أغلب المتابعات لخطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس في الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش على الرسالة الغاضبة التي وجهها العاهل المغربي للطبقة السياسية في البلاد. وحصرت هذه الرسالة ضمن متابعة الملك محمد السادس لتطورات الاحتجاجات في الريف المغربي جراء تقصير المسؤولين. لكن المتابع لسلسلة الخطابات الأخيرة للعاهل المغربي يجد أنها مترابطة وكل خطاب يأتي ليكمّل الخطاب الذي سبقه للوقوف عند النقاط التي لم تتحقق وكيفية تجاوزها.
الأحد 2017/08/06
القانون يطبق على المسؤولين قبل بقية المواطنين

تناول العاهل المغربي الملك محمد السادس مسألة العمل الحزبي في خطاب العرش لهذه السنة، ضمن رؤية أشمل لعمل مختلف المؤسسات وتأثيره على حياة المواطنين. ولا يخفى على أحد أن تناول عمل السياسيين والأحزاب والمؤسسات المنتخبة كان مكمّلا لتناول قضية اشتغال

مختلف مؤسسات الدولة الدستورية وطبيعة تفاعلها مع مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وفِي مقدمتها الإدارة العمومية.

وجاء خطاب العرش ضمن روحية نقدية شاملة عرفت إحدى مراحلها الانعطافية في الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان في دورته التشريعية الحالية في الرابع عشر من أكتوبر الماضي، حيث ركز على الاختلالات التي تعرفها مختلف مرافق الإدارة العمومية على المستوى الوطني كما على مستوى تمثيليات المغرب في مختلف أنحاء العالم.

والإشارة إلى هذه المسألة ليست للتقليل من أهمية النقد الموجه إلى مختلف الفاعلين السياسيين في البلاد، بل تهدف إلى إبراز أن كل محاولة لاختزال الخطاب الملكي في مطالعة نقدية للعمل الحزبي، تتنافى مع منطوق ومفهوم الخطاب معا. ذلك أن عملية النقد تتمحور حول ضرورة النجاعة واعتماد مقتضيات الدستور من حيث تحديد دور الأحزاب السياسية ومجمل الفاعلين، وعلاقاتهم بالمواطنين وقضاياهم وفق ما تقتضيه المصلحة العليا للوطن وخارج كل الحسابات السياسوية الضيقة التي تضحي بمصلحة الوطن، بدل السخاء في بذل الجهود من أجل خدمتها والدفاع عنها بالملموس، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالمصالح الخاصة للأفراد والتنظيمات والمؤسسات الحزبية.

تحذير ملكي

يعتبر خطاب العرش استمرارا وتعميقا واستخلاصا لدروس ملموسة من ممارسات وسلوك القوى السياسية بعد خطاب ذكرى المسيرة الخضراء الذي وجهه الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي من العاصمة السنغالية دكار في نوفمبر الماضي، حيث تم وضع أسس مقاربة نقدية واضحة عندما تبيّنت إرهاصات لعبة ما سمي بالبلوكاج الذي أعاق تشكيل حكومة جديدة، رغم مرور شهرين من الزمن على تنظيم الانتخابات التشريعية في السادس عشر من أكتوبر وتكليف عبدالإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بتشكيلها.

التطور السياسي والتنموي، الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة

لكن المشاورات قادت إلى طريق مسدود نظرا لتغليب المصالح الحزبية على مصالح البلاد. وبذلك انحرفت الأمور إلى مستوى طرح الشروط والشروط المضادة، بما يتنافى مع منطق المشاورات والمفاوضات الهادفة إلى تشكيل الحكومة، وحيث غاب تماما نقاش أي تصورات برنامجية للحكومة لينصب الجدل حول حصص الأحزاب فيها، ومن هو مسموح له ومن ليس مسموحا له بالمشاركة فيها.

وكان التحذير الملكي واضحا وصريحا في ذلك الخطاب، غير أنه لم يكن مسموعا من قبل بعض القوى السياسية، الأمر الذي أدى إلى إعفاء بن كيران من مهمته وتكليف الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني بتشكيل الحكومة، تشبثا بالمنهجية الديمقراطية من جهة، وحرصا على تجاوز أزمة ميلاد الحكومة من جهة أخرى. وهو ما سرّع بتشكيل الحكومة الحالية، لكن بعد أشهر طويلة من هدر الوقت والجهد.

وفي خضم هذا الوضع انطلقت احتجاجات الريف المغربي، الأمر الذي عقّد مأمورية حكومة العثماني دون أن يكون في هذا أي تبرير لعدم تحركها بالسرعة اللازمة لتدارك، بل كان هناك نوع من الارتباك في خطواتها الأولى في مقاربة ملف اجتماعي كبير يعرف تطورات متسارعة، خاصة بعد بروز بعض القوى التي حاولت الاستثمار فيه بما يتعارض مع مصالح سكان الحسيمة ونواحيها وطبيعة الشعارات المطلبية التي رفعت خلال تلك الاحتجاجات.

ضمن هذا السياق السياسي والاجتماعي وتطور مختلف الأزمات التي توضّحت معالمها على مستوى أداء الإدارة ومختلف المؤسسات بما ذلك الأحزاب السياسية، يمكن قراءة خطاب العرش حيث جاء فيه بالحرف الواحد إن “اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة. إلا أن المشكلة تكمن في العقليات التي لم تتغير، وفي القدرة على التنفيذ والإبداع”.

“التطور السياسي والتنموي، الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة”، مؤكد أنه أمام هذا الوضع من “حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانوا هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟”.

والواقع، أن هذا التساؤل لا يتجاوز مستوى الإقرار بالحق فيه إلى مستوى تبني أي جواب يقول بعدم جدوى كل هذه المؤسسات، وإنما المقصود على العكس من ذلك تماما، هو التأكيد على ضرورتها باعتبارها من محددات تنظيم الدول والمجتمعات الحديثة. غير أنه يترتب عليه واجب تفعيلها أي جعلها تقوم بالأدوار التي قامت أساسا للقيام بها. وهذا ما يعطي الخطاب بعده الحقيقي باعتباره تدخلا لتقويم الممارسة وتفعيل مؤسساتها وليس لإصدار حكم إعدام على السياسة وتعطيل أطرها وأدواتها بدعوى كونها غير ناجعة أو لمجرد كون من يقع على عاتقهم تفعيلها قد قصّروا في أداء مهمتهم. ذلك أن معاينة هذا التقصير، بالذات، هو الذي دفع بالملك محمد السادس إلى الحديث عن ضرورة قيامهم بمهامهم أو الانسحاب. ولو كان الهدف تعطيل الحياة السياسية لما كان ضروريا الحديث أصلا عن هذا الانسحاب لأن تعطيل عمل المؤسسات يؤدي حكما إلى إلغاء أدوار من هم مدعوون إلى العمل على رأسها أو داخلها.

خطاب العرش يأتي ضمن توجه نقدي شامل عرف إحدى مراحله الانعطافية في الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان في دورته التشريعية الحالية في الرابع عشر من أكتوبر الماضي

ولا يخفى أن هذا القصد لم يتم نفيه عند حرص الخطاب الملكي على إقرار أن ممارسات “بعض المسؤولين المنتخبين تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة لا يثقون في الطبقة السياسية ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل”.

تصحيح المسار

إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ يمكن الوقوف هنا عند مستويين مختلفين تماما من حيث البعد النقدي ومن حيث الجهة المعنية بالنقد:

يعني المستوى الأول مجمل الممارسة السياسية والطريقة التي يتم نهجها في التعاطي معها، وهي لا ترقى إلى مستوى اقتناع الملك بجدواها. ونقد الطريقة لا يسمح باستنتاج موقف سلبي ما من السياسة في حد ذاتها، رغم ما لا يمكن إنكاره من أن الاختلال في أساليب العمل وطرق تناول القضايا السياسية يؤثر سلبا على مصالح الوطن والمواطنين، الأمر الذي يحتم على القوى السياسية إعادة النظر في طرق تناولها للقضايا السياسية المختلفة حتى تكون لديها روابط فعلية مع المواطنين ويكون لها تأثيرها الايجابي على مجرى الحياة السياسية لأن عمل الأحزاب مثلا لا ينحصر في القيام بالإجراءات التنظيمية والقانونية من مؤتمرات واجتماعات حزبية كما أكد الخطاب على ذلك.

أما المستوى الثاني، فهو إعلان الملك محمد السادس عن عدم ثقته في عدد من السياسيين، مع التأكيد على أنه لا يمكن اختزال الشعب المغربي في هذه الفئة من السياسيين التي أصبحت لا تحظى بثقة الملك ولا تغطي مجمل الجسم السياسي المغربي.

يتضمن المستوى الأول إذن دعوة واضحة إلى إعادة النظر في طريقة ممارسة السياسة لتتلاءم مع انتظارات الشعب المغربي من مختلف المؤسسات تحت طائلة اعتماد مبدأ المحاسبة في ضوء المسؤولية التي يضطلع بها الأشخاص والمؤسسات، وفِي ضوء الصلاحيات التي لديهم في اتخاذ القرارات والمبادرات الضرورية وعلى ضوء الإمكانيات المتوفرة فعلا في مختلف المجالات.

بينما يضع المستوى الثاني المقصّرين عن أداء مهامهم كاملة أمام الابتعاد النهائي عن تحمل تلك المسؤوليات عبر أسلوبين اثنين لا ثالث لهما: الأول تقديم الاستقالة والانسحاب الإرادي من مسرح المسؤوليات. والثاني، الإقالة بسبب عدم الوفاء بالالتزامات والاستهتار بالمسؤولية ومصالح الوطن والمواطنين.

وكل هذا واضح في خطاب العرش، وهو ما يشكل تفنيدا واضحا لتأويلات تهويلية تنذر المغاربة بالويل والثبور بدل اعتبار الخطاب لحظة مصارحة على درجة كبيرة من المسؤولية لتصحيح مسار عمل المؤسسات والدفع بإمكاناتها إلى أقصى الحدود في مجال خدمة المصلحة العليا للمواطنين واعتماد طرق إبداعية في إنجاز المسؤوليات وعدم التهرّب منها تحت مبررات واهية، لأن الدستور أطّر كل هذا عندما نص على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة. وليس خطاب العرش إلا محكوما بهذه الفلسفة الدستورية التي تحرص على تأويل النصوص بما يخدم المواطنين والوطن الذي هو فوق كل الأحزاب والمؤسسات والمناصب الإدارية.

كاتب مغربي

6