خطاب إعلامي إيراني والمُتقبّل عربي

الخميس 2014/05/08

تتعمد وكالات الأنباء الإيرانية، خصوصا من تتبنى مفهوم ولاية الفقيه وتصدير الثورة الإسلامية، نشر أخبار تمس محافظتي كربلاء والنجف ومدينة الكاظمية في بغداد، ضمن حقل أخبارها المحلية، في إشارة إعلامية لا تقبل اللبس والمواربة.

الخطاب الإيراني هنا لا يحمل غير وجهة نظر واحدة لا تقبل الشك، والمثير في الأمر أن “أحزاب إيران في العراق” تتقبل هذا الخطاب وتعكسه إلى جمهورها من دون تردد أو خجل.

لا تغفل ولا تخفي الأصوات الإيرانية المتوترة منها أوما يسمى بالمعتدلة هذا التوجه، وإن مارس بعضهم “التقية” في خطاب دبلوماسي مؤجل إلى حين، فكاتب مثل محمد صادق الحسيني الذي سبق وأن عمل مستشارا للرئيس الإيراني الأسبق عندما أطلقت عليه مثل هذا السؤال خلال جلسة مع عدد من الصحفيين في مدينة مسقط، لم يتردد في القول “لا ضير في الأمر، العراق كان جزءا من الإمبراطورية الفارسية”!

كاتب إيراني مثل أمير طاهري يكشف مثل هذه الازدواجية في الخطاب الإعلامي لملالي طهران، عندما نبه إلى أن خبر تبرع إيران لمرقد الإمام موسى الكاظم في بغداد مثلا بعد احتلال بغداد، قد نشر في الأخبار المحلية الفارسية لوكالة الأنباء الرسمية، في إشارة لا تقبل الشك على اعتبار المرقد والمدينة برمتها من توابعها!

ليست مهمتي هنا تحليل المطامع الفارسية التاريخية في الوطن العربي تأسيا بكلام الجنرال يحيى رحيم صفوي المستشار العسكري للمرشد الإيراني علي خامنئي بقوله هذا الأسبوع “قدرة إيران ونفوذها امتدا إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط”، محددا خط الدفاع الأوّل لإيران بأنه أصبح في جنوب لبنان! في إشارة لا تقبل اللبس إلى أن العراق وسوريا باتا تحت الاستحواذ الإيراني بطريقة أو بأخرى. لكن يبدو من الأهمية بمكان ألا يصبح الخطاب العربي عاجزا إلى درجة يمارس فيها دور المُتقبل الخاضع للخطاب الإيراني، أليس وظيفة الإعلام “صناعة رأي”؟، فلماذا عندما يتعلق الأمر بما يعلنه خامنئي يصبح بعض إعلامنا خاضعا للخطاب الإعلامي الإيراني.

من المفيد هنا أن نذكّر برسام الكاريكاتير العراقي أحمد الربيعي الذي مات كمدا أو خوفا وربما “قتلا” بعد أن رسم تخطيطا لخامنئي في صحيفة عراقية محلية، الأمر الذي دفع إدارة الصحيفة إلى الاعتذار وسحب أعدادها من السوق!

مصورو وكالات رويترز والفرنسية واشيوتيد برس لا يفاجئون العالم بنشر صور من ميادين بغداد، وبعض المدن العراقية الأخرى تظهر أن صور خميني وخامنئي أكبر من أية صورة لشخصية عراقية، حيث بات الفضاء العراقي مُستقبلا خاضعا، فيما السلطات و”أحزاب إيران في العراق” تزيد في قهر العراقيين بالدفاع عن المشروع الإيراني في وسائل إعلامها.

يحدث الأمر نفسه عندما تنقل الوكالات صورا من منازل أسر يفترض أنها بحرينية، فيما صور ومقولات خميني وخامنئي معلقة على جدران منازلها!

ومع أن الخطاب الإيراني لا يخلو من الخرافة في غالبيته فهو يستند إلى جانب تاريخي مكتوب وفق وجهة نظر واحدة، لكن مع ذلك صار شائعا طباعة ونشر كتب وكراسات باللغة العربية في بغداد تروج لهذا الخطاب في إيديولوجيته الفارسية.

لم تعد المقولة الشائعة بأن “الإعلام أول من يدخل المعركة وآخر من يغادرها” تتناسب مع الواقع المعاصر، فللإعلام معركته التي لا تتوقف وليس ثمة ميدان محدد له كي يغادره، وبات لا يؤمن بالخسارة ولا بالانسحاب، فإن لم نسع إلى تفكيك الخطاب الإعلامي الإيراني الموجه أصلا إلى الاستحواذ على الخصوصية العربية، فكل معركة بعده ستكون خاسرة.

18