خطاب الإسلاميين يكشف زيف نفسه بنفسه

الأربعاء 2017/12/06
مغالاة في الحشد بأسلوب ضال

أعلنت الدول العربية المقاطعة لقطر الأسبوع الماضي أن “اتحاد علماء المسلمين يعمل على ترويج الإرهاب عبر استغلال الخطاب الإسلامي واستخدامه غطاء لتسهيل النشاطات الإرهابية المختلفة”.

بدا واضحا ومفهوما أن هذا الإعلان مدروس بعناية ولا يحتاج سندا يرتكز عليه. في المقابل فإن مبررات عديدة يفرزها الواقع العربي تكشف عن خطابات مؤدلجة وأخرى مضلّلة بغطاء إسلامي يعمل المنتسبون لهذا الهيكل الإسلامي على نشرها في أنحاء عدة من البلدان العربية.

الخطاب أي خطاب في معناه الشمولي هو فن. فن بكل ترنيماته وأساليبه الإخراجية ومحتواه اللفظي والمنطوق الذي يخرج للناس. والفن بلغة المحاور المتزن والمجادل الرصين يحاول إيصال رسائله دون مغالاة في التأثير الأيديولوجي أو بث السموم.

لكن هذا الفن أثبت وهن المخرجات التي يتضمنها خطاب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في كيفية “أدلجة” الناس وكشف عورات المنتسبين إليه في الطرق المضللة لمغازلتهم. الحديث يجد صداه في البرامج والإذاعات وشهادات الناس وأيضا في التقارير الأخيرة لأعتى المعاهد اشتغالا على هذه الظاهرة وإخراج مساوئها للعالم.

جانب كبير من هذا الخطاب يعكسه “الإسناد” والنشاطات المختلفة المقدمة للمجتمعات، عربيا وأفريقيا، اللذان لم يتوقفا تحت يافطات دينية ممنهجة وبأسلوب ملتو فيه الكثير من الروافد الأصولية.

لعبة الأصابع الملتوية لخطاب الأخونة وبث السموم تاجر بها من قبل أصوليون فانقلب سحرها على الرعاة للمشروع وهاهم فيه ساقطون بلا فائدة

تكثّف الاشتغال على هذه الناحية من جانب تركيا في أفريقيا تحديدا. وصحيح أن المصاب جلل (كوارث طبيعية، تفجيرات إرهابية وغيرها) لكن أبعد من المصاب هو الطريق المرّ لعلاجه بوصفة “السحر المبين” وبطرق مشروطة أيضا.

كل ما أقدمت عليه تركيا وتقدمه من تبرعات وقوافل إغاثة ومساعدات زمن المحن وكل ما يوضع عبر الملصقات (مساهمة خيرية من تركيا أو من قطر) لبعض الدول عربيا وأفريقيا لا يذهب سدى.

تركيا ليست وحدها على هذا النهج. الحليفة قطر هي الأخرى تضاعف جهودها على نفس المنوال، لكنه منوال قول شهير تردده الأذهان “فمن دخل البيت القطري.. فهو آمن” لكنه أبدا ليس كذلك، لأن طوقا إخوانيا سيلفّه ليأخذه في غياهب “عالم فسيح” من الإسلام السياسي تستميت الدوحة في نشره.

قارئ متأن بين السطور يستكشّف مرارة الغزو الممنهج الذي تسير فيه الدولتان لنشر خطاب إخواني والثبوت على تركيز عوالمه في العديد من البلدان. دلائل ومؤشرات على ذلك تعكسها أيضا البنية اللفظية للخطباء والأئمة في جل المساجد التي تسهم فيها أو تشرف عليها الدولتان بالدعوة إلى المدح والتهليل لهما، فيما انشداد أجيال من فئات عمرية مختلفة لطرق المغازلة شيء لا يمكن وصفه ولا تخيّل مقياس حراري يستطيع عكس درجات النبض بين صفوف المولعين بأسلوب التغني والإشادة به.

ليس ذلك فحسب. المثال الأكثر أهمية في تونس ما تم تيسيره زمن الانفلات الثوري في 2012 من خدمات تتولى رعايتها جمعيات خيرية بصنوفها المتعددة كـ”قطر الخيرية” وغيرها من الجمعيات الناشطة في تونس. ورغم تحجيم الأدوار التي تقوم بها هذه الجمعيات، فإن تساؤلات المراقبين لا تكاد تتوقف: بأي اتجاه ذهبت كل تلك التمويلات وما هي الأطر التي أضحت تستفيد من كل تلك المليارات داخل الدولة؟

حلقات كثيرة من “الإبداع” التركي القطري في التظاهر بنشر ثقافة إنسانية مؤدلجة بتخصيب إخوانيّ محضة مرتكزاته ظاهرة للعيان وأساليبه بدائية تنهل من ثقافة أصولية محضة لا تؤمن إلا بالأفق البعيد للمشروع الغائر (مشروع الإخوان) مهما تظاهرت الدولتان بأنهما في حل من كل ما ألصق بهما من “تهم” وفرضيات تخوين.

الخطاب الإخواني بدلائله البعيدة والقريبة ظاهر في أشد الخلافات تعقيدا بين جمهور واسع من المتابعين لنشاطاتهما في كل الدول تقريبا. ينطوي هذا الفن على مدلول عقائدي صرف لا حياد عنه. الجماعة الأم هي دون سواها.

تعويم الشعوب بخطاب الأخونة الذي تمارسه تركيا وقطر بمسوّغات شتّى وأساليب مستقاة قد فشل في بلوغ مآربه وانهار السد على بانيه

بماذا يفسر الباحثون والنقاد والمتابعون لكل الأزمات التي أثيرت حول تمسك الدولتين بالمشروع الكبير للأخونة الذي لا تريد الدولتان الحياد أو التراجع عنه؟

انساقت أطروحات البحث والتحليل سواء وراء الأزمة الخليجية مع قطر رغم أنها صغيرة، بحسب وصف القادة السعوديين لها، وهذا معلوم لجهة الأهمية التي يكتسيها ملف الدوحة من خطورة وتأثير على أمن المنطقة بعد ثبوت دعمها لتنظيمات إرهابية، لكن اللافت هو الدعم المتواصل لحزام الأخونة الذي يجمع الدولتين والمسنود من إيران وحزب الله.

يبحث رجب طيب أردوغان كما الشيخ تميم في كل اللقاءات، التي تسارعت وتيرة كل منهما إلى عقدها خلال الفترات الأخيرة ببلدان وعواصم أوروبية، عن متنفس لانحسار نفوذ تركيا لاشتغالها على إثارة النعرات بينما وضعها الداخلي يزداد تأزما بسبب التسلط الأردوغاني وإمعانه في سياسة التصفيات لمن يعتبرهم خصوما.

فيما تكابر الدوحة بمضاعفة جهودها أملا في تطويق الآلام التي سببتها مقاطعة الدول الأربع، على جل المستويات، والتي يرى محللون أنها نجحت إلى حد بعيد في تحقيق نتائجها.

لعبة الأصابع الملتوية لخطاب الأخونة وبث السموم تاجر بها من قبل أصوليون فانقلب سحرها على الرعاة للمشروع وهاهم فيه ساقطون بلا فائدة. درج الإرث المسموم للجماعة على البحث في كل الأطر الضيّقة والأساليب المفبركة للظهور في أشكال ناصعة، لكنّ غمامة سوداء تحوم حول أعناق صانعيها بانتظار ساعة الحسم يتم فيها كنسهم نحو مصيدة الأفول والزوال لينتهوا أشلاء، وهو أمل كل مناهض لهذا الفكر المتزمت الضارب في أعماق الإيذاء للآخر والعبث بمقدراته طال الأمد أو قصر.

باحث عن العقائدية المأزومة هو ذاك الذي ينصب العداء وشراك الإرهاب لإخوته من العرب. هذا مبعث الخوف والقلق من كلا الدولتين في الساحة العربية تضاف إليهما إيران “المارقة” استنادا إلى توصيف ترامبي محض، وهو أيضا مسار لا عودة فيه لكل المخرجات والبيانات التي تتوصل إليها الدول العربية في لقاءاتها وقممها الاستثنائية منها والرسمية.

سيتكشّف للرأي العام العربي والعالمي بوضوح بعد صيرورة تاريخية، والتاريخ حافظ لكل الأحداث والمحن، أن تعويم الشعوب بخطاب الأخونة الذي تمارسه تركيا وقطر وأذرعهما المنتشرة في البلدان العربية وخصوصا بمنطقة الشرق الأوسط بمسوّغات شتّى وأساليب مستقاة قد فشل في بلوغ مآربه وانهار السد على بانيه.

13