خطاب "الإسلام السياسي" ومحنة غزة

القطريون والأتراك حريصون على إبقاء القطاع حيث يزهو خطاب الإسلام السياسي أملاً في صنع أول كيان أو إمارة لهم فيها.
الأربعاء 2020/01/29
التزامات المقاومة وتبعات العلاقة مع إيران

المواقف التي أطلقتها الحركات الإسلامية في غزة؛ حماس والجهاد الإسلامي، تفاعلا مع المستجدات الأخيرة المتصلة بالقضية الفلسطينية، كشفت عن قصور فكري في التعاطي مع القضية، وأثبتت أن أسلمة المقاومة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى تكريس العجز وتثبيت الانقسام. فالدعوة إلى النفير لشدّ الرحال إلى المسجد الأقصى ليس بوسعها أن تحرك القضية الفلسطينية قيد أنملة من الجمود الذي اعتراها.

لعل من أهم نقاط الاحتكاك والاختبار، لصلاحية “الإسلام السياسي” وقدرته على الخوض في معارك الصراعات الوطنية؛ هي تلك التي بدأت بها، وآلت إليها، تجربتا حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في فلسطين.

فهذه تمثل معيار قياس لجدوى محاولات جعل سياقات النصوص المطلقة والثابتة، متطابقة مع المعطيات والوقائع المتحركة، كما تمثل اختبارا لقدرة أصحاب خطاب الإسلام السياسي، على صياغة استراتيجيته في الصراعات المُعقدة، التي تختلّ فيها موازين القوى، وتفرض المعطيات نفسها، دون أن يجرؤ ذوو هذا الخطاب على تغيير أي حرف منه!

ليت تجربة حركة “حماس” التي انطلقت من أيديولوجيا الطيف الرئيسي الذي تأبّط هذا الخطاب، وهو المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين؛ تعثرت ووقعت في المأزق، على صعيد المواجهة مع الآخر الإسرائيلي وحسب.إنها تعثرت وفشلت أيضا وعلى نحو فادح، في تجربة الحكم بغزة، و”نجحت” في جعل الشرائح الاجتماعية، حتى تلك التي أيدتها في انتخابات يناير عام 2006 تندم على هذا التأييد، إذ باتت ترى حُكم “الجماعة” كابوسا، وعبئا يتضرّع المؤمنون إلى الله سبحانه لأن يرفعه عن كاهلهم.

أما حركة “الجهاد” التي لم تسعَ إلى الحكم وزهدت فيه، فإشكاليتها مختلفة، إذ وقعت بين شقيْ الرحى. فهي من جانب، وجدت نفسها، وقد اختارت الوسيلة العسكرية الوحيدة؛ غير قادرة على تكريس وسيلتها في المساحة التي تهيمن عليها الشقيقة “حماس”. ومن جانب آخر، فقد بدأت واستمرت، كحركة سُنية، موصولة بإيران الشيعية وتفرعاتها الميليشيوية. وهذا واقع يحرجها جدا كلما أخذت الاستراتيجية الإيرانية مداها وسياقاتها في الإقليم.

وبالمحصلة، وقعت هي الأخرى في مأزقها، إذ واجهت الوسيلة العسكرية، جدارا مسدودا صنعته وقائع الميدان واعتبارات السياسة في بعدها الاجتماعي. وهذا البُعد، بدوره، يتداخل مع معاناة غزة وخسائر أهلها، وهي جسيمة في الأرواح والممتلكات. فما الذي بمقدور خطاب “الإسلام السياسي” أن يفعله، إن لم يكن مترفقا بالناس ومصائرهم، ولا يُكرّس العدالة، ويزعم أنه يحكم باسم المقاومة وفي الوقت نفسه لا يستطيع الاستمرار فيها، يعجز عن طرح خطاب سياسي مفهوم، يتلاءم مع الواقع. ويظل ثابتا على خطابه الأصلي، لا يُغيّر حرفا منه؟

"الجماعة" تريد الاحتفاظ لنفسها بجغرافيا سياسية ولو كانت بحجم غزة. فلمثل هذه الجغرافيا أهميتها، في خطاب التغاضي والجعجعة الإخوانية في الإقليم

الأنكى، أن خطاب “الإسلام السياسي” ليس ممتنعا عن الإسهام في تحقيق وحدة الوجدان الشعبي وحسب، وإنما معنيا بإحباطها أيضا. ففي طبيعة لغته وتنظيراته ومشروعه، هو أحرص على تعيين الفوارق بين الناس والناس في المجتمع.

وفي هذا المنحى -للإنصاف- لا يتطابق منطق “الجهاد الإسلامي” مع منطق “الإخوان”. فالأولى تتوافق مع كل ذي رؤية قصوى للمشروع الصهيوني باعتباره باطلا، لكن الثانية لا ترى فضاءها الاجتماعي خارج “الجماعة” ومن يوالونها. كما أن “الجهاد الإسلامي” ليست معنية باختزال التاريخ والثقافة والتجربة القومية، بمنطق مشوّه لا يعترف لأحد أو لطرف، بمأثرة واحدة أو حتى بموقف حميد. ومعلوم أن هذا هو منطق جماعة “الإخوان” ولاسيما التيار القطبي فيها.

في مسألة الصراع، ومحاولات إحراز الحد الأقصى الممكن من الحقوق الفلسطينية؛ واجهت “حماس” إشكالية كبرى مع نصوص منطلقاتها، بخاصة عندما وقعت في غواية الحكم بغزة، وهذه غواية تعللها دوافع معقدة ومتناقضة.

هناك سقف اتفاق “أوسلو” المُحرم هو وكلّ سياقاته، ابتداء، ثم محلل آخر في غير سياقاته. ثم تحول المحرم والمدنس، إلى محلل ومُعتمد، بعد تفاهمات التهدئة و”التمويل” بالحقائب القطرية المملوءة بالأوراق الخضراء. وهنا، تجري التفاهمات والإمدادات، بينما الخطاب عاجزٌ عن تغيير صياغاته.

عندئذ ترتسم لوحة سوريالية في الحياة شيئا، ومن فوق المنابر شيئا آخر. يُدعى الناس إلى النفير؛ ولا نفير سواء من الناس أو من الداعي. ويلعلع خطاب المقاومة، ولا يُسمح بها، حتى وإن استهدف المحتلون الشقيقة “الجهاد”.

غير أن الأمر المسكوت عنه، في هذا الانفصام، هو أن “الجماعة” تريد الاحتفاظ لنفسها بجغرافيا سياسية حتى ولو كانت بحجم غزة. فلمثل هذه الجغرافيا أهميتها، في خطاب التغاضي والجعجعة “الإخوانية” في الإقليم.

حماس واجهت إشكالا مع منطلقاتها الفكرية بسقوطها في غواية الحكم
حماس واجهت إشكالا مع منطلقاتها الفكرية بسقوطها في غواية الحكم

وفي ذلك السياق، يجري، انطلاقا من تركيا وقطر، تضخيم مفاعيل المقاومة، وطرح رواية غزة، باعتبارها واحة النصر وسط محيط الهزيمة، وأرض العدالة والتقوى وسط مناطق الاستبداد والمروق. بينما الواقع، أن المقاومة لم تستطع الاستمرار في جعل غزة منصة لإطلاق الصواريخ التي ترسلها إيران، قائلة لمن يتسلمونها اذهبوا فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وبينما تحولت غزة، في الواقع، إلى بؤرة للبؤس أيضا، وتناسلت فيها ظواهر لم تكن تعرفها، كالانتحار والتسول وركوب الشباب البحر، والمخاطرة بحياتهم!

العَجب العُجاب، في هذا المشهد الذي يرتسم بمنطق “الإسلام السياسي” ولغته وثقافته، أن الرعاة القطريين والأتراك والإيرانيين، ليسوا عشاق مقاومة، ولا يميلون إلى إزعاج الإسرائيليين والأميركيين، حتى عندما يضربهم هؤلاء؛ في سوريا والعراق بالنسبة إلى إيران أو يفرضون عليهم اتفاقات أمنية كما بالنسبة إلى قطر وتركيا. هاتان الأخيرتان، سقفهما لا يعلو عن بعض الإغاثة أو الوساطة، كلما وقع التدمير في غزة وتعمق البؤس وعزت لقمة الخبز. أما الأولى، وهي إيران، فلا إغاثة ولا طبابة. فسقفها التسليح بقذائف صاروخية بلا تقنيات تحدد مواضع سقوطها.

نحن هنا بصدد أصوليتين كبيرتين، شيعية وسُنية، واحدة تريد إزعاج الأميركيين من خارج أرضها، والأخرى تريد أن تجعل غزة موضوعا لترويج خطابها عن مجاهدة نبيلة معطوفة على مجاهدات “إخوانية” أخرى في الإقليم، دون تعيين الفارق، بين مواجهة إسرائيل ومواجهة الأنظمة بالإرهاب وخلق الفتن في المجتمع!

ينبغي أن نستذكر أيضا الإجابة عن سؤال مهم: لماذا لم تسعَ قطر، حتى بعد أن أوشكت “صفقة القرن” على الفتك بمشروع الاستقلال الفلسطيني؛ إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني المدمر، وهو المهاد الحقيقي للصفقة، على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع الرئيس محمود عباس وحركة حماس؟

الجواب الذي نستذكره، هو حرص القطريين والأتراك، على إبقاء الجغرافيا السياسية الصغيرة، التي يزهو بها خطاب الإسلام السياسي، فربما يُتاح لهم، أن يصنعوا منها أول كيان أو إمارة لهم!

13