خطاب التكفير.. هل يستعصي على الإصلاح

الدعوات المتعالية لإطلاق عملية الإصلاح الديني تفترض الإلمام بالقول وحدوده، وطرح الأسئلة الحقيقية للمسألة؛ كيف نقوم بتجديد الخطاب الديني؟ ومن المؤهل للقيام بالمهمّة؟ هل يمكن انتظار تحقيق ذلك من مؤسسات طالما واظبت على استنساخ فتاوى الردة والتكفير وتبرير الرق؟
الاثنين 2017/05/01
التجديد يجب أن يطال المؤسسة الدينية

لعل السيد المسيح أول ثائر على تراث نُسب إلى المسيحية، ليس من صميم الديانة وإنما من “اجتهاد” الكهنة. وطوال قرونٍ اختلط فيها الديني بالسياسي أريقت دماء في حروب سيق إليها غيورون على المسيحية لا يفقهون مقولة المسيح “اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، إلى أن حسمت الثورة الفرنسية الأمر، واستبدلت بالمقولة العقلانية للمسيح شعارا عنيفا “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”، فبدأ عصر “الدولة” المفارقة لسطوة رجال الدين، وصار البابا رمزا لا يتطوع بوصاية سياسية ولا يلاحق مجتهدا في العلوم اللاهوتية بدعاوى قضائية، ولا يسارع أتباعه إلى فتاوى بردة مسيحي. هكذا تمت صيانة الدين المسيحي بعيدا عن تشويه تأويلات يختلط فيها السياسي بالديني. ولم يتعرض دين للتشويه، ونزع الوجه الإنساني الرحيم عنه بحسن نية أو بسوء، كما يجري للإسلام منذ استند النهم السياسي والغيرة الدينية إلى تأويلات استجابت لوقائع محددة أو ارتبطت بضعف إنساني لا يجوز القياس عليه.

في الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني اعتراف ضمني بوجود اعوجاج أو فساد. ليس في التجديد إساءة إلى جوهر الدين وإنما تنزيهه عن تأويلات تنسب إليه وتحجب وجهه. لن أقول وجهه “الحسن”؛ لأن في ذلك افتراضا بأن للإسلام وجها آخر، وهو ما يلح عليه كثيرون من كارهي التجديد بترديد مصطلح “الإسلام الوسطي”، كأن هناك إسلاما متطرفا عنيفا. الإصلاح لن يمسّ أركان الدين، سيبحث الفقه البشري ويستلهم منه ما ينفع الناس في تأويل عصري يثبت جدارة المجتهد.

ومنذ بدأت الدعوة الرئاسية في مصر إلى التجديد انطلقت سهام طائشة وموجهة تضع الإسلام والأزهر في خانة واحدة، وتتهم بسوء قصد غالبا دعاة التجديد بهدم التراث ومعاداة الدين، والحقد على الأزهر. ويعلم الأزهريون وغيرهم أن الإسلام في مصر يسبق الأزهر بأكثر من 330 عاما، وأن أحدا لم يرتد عندما منع صلاح الدين الأيوبي إقامة الصلاة عام 1169 في الأزهر، وقد استمر إغلاقه نحو مئة عام إلى أن فتحه الظاهر بيبرس للصلاة.

ما انتهت إليه المسيحية هو ثمرة ثورات عقلية يحتاج إلى مثلها الفقه الإسلامي؛ لاستيعاب الدروس التاريخية وحرق مراحلها، من دون الانزلاق إلى محطاتها الدامية. هذا الاستيعاب يلزمه وقار يليق بالعلماء، صوت واثق يميّز البحث العلمي في نفوره من التهييج وصراخ محترفي المنابر.

وفي الأيام السابقة على وصول بابا الفاتيكان فرنسيس إلى القاهرة، كان الأزهر عنوانا لما يشبه الحملة الدعائية في الصحف وفضائيات اليمين الديني، وفي مواقع التواصل الاجتماعي تداول غيورون طيّبون مقولة “لحوم العلماء مسمومة”، في تحذير لمن يناقش اجتهادات الأزهريين. “الحملة” برّأت الأزهر من الفكر المتطرف، ونفت عن أبنائه الميل مع الهوى وتكفير المسلمين، وجعلته صنوا للإسلام، مثلما يرى الإخوان أن مصر عرفت الإسلام مع تأسيس الجماعة عام 1928.

الخطاب الأزهري غير عصري يعادي الحداثة. خطاب يستعصي على الإصلاح في انتظار ثورة تنسفه وتعيد بناءه

استغنت المسيحية عن مثل هذه الحملات منذ صار ما لله لله، أما الأزهر فلا يؤمن بأن شيئا ما يخص قيصر. لن أتوقف أمام عنف طلبة الأزهر بعد اعتصام رابعة، وتظاهرهم عام 2000 اعتراضا على نشر رواية “وليمة لأعشاب البحر”، بل أرصد الأداء التكفيري لبعض رموز الأزهر. فباسم الإسلام رفض متولي الشعراوي وزير الأوقاف وشؤون الأزهر انتقاد أنور السادات حين شرع في الصلح مع العدو الصهيوني، وباسم الإسلام صدرت فتوى الأزهري عمر عبدالرحمن بكفر السادات للسبب نفسه، فأيهما كان يمثل الإسلام؟

وباسم الإسلام صدرت فتوى بردة الكاتب فرج فودة. وبعد وصول الإخوان إلى السلطة خرج المتهم أبوالعلا عبدربه من السجن. وقال إنه أقام شرع الله بعد تكفير “العلماء” للقتيل. القاتل الذي لم يكذب كان مجرد إصبع ضغطت على الزناد، وبرأه في المحكمة الأزهري محمد الغزالي بشهادة اتهم فيها الضحية بالكفر والردة، وأجاز أن يتولى الأفراد “إقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئات على حق السلطة، ولكن ليست عليه عقوبة”. الردة هوس، سادية تتنافى مع رحمة الله الذي نهى عن قتل “الذين يخوضون في آياتنا”، اكتفاء بالإعراض عنهم. أما الشعراوي والحبيب الجفري فيحثان على قتل تارك الصلاة إنكارا، “وإن كان كسلا يستتاب ثلاثة أيام ثم يقتل”.

الأزهري أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر يتعرض للتحقيق لجرأته الفقهية، وإن كان لا يتورع عن توظيف الدين في خدمة الحاكم، فأفتى بوجوب رد جزيرتي تيران وصنافير إلى الحجاز. وفي ندوة بمعرض القاهرة للكتاب (2 فبراير 2016) أزعجه مصطلح “علمانية الدولة”، وقال إن الإسلام “يتسامح مع أهل الكتاب”، وإن “الشريعة تتضمن جريمة الردة. من ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ويطعن في أصل من أمور الدين يجلس مع العلماء ثلاثة أيام ليستتاب”. اعترضتُ عليه في الندوة وذكرتُ أن للردة ظلالا سياسية وسياقا مختلفا، وأن في مصطلح التسامح الإسلامي استعلاء ونفيا للمواطنة، واستبعادا لأن يحكم البلاد غير مسلم، فانزعج وتساءل “لماذا يتجه الانتقاد إلى الإسلام كلما أثيرت قضية الإصلاح؟”. ولم ينتقد الإسلامَ أحد في الندوة أو خارجها.

الأزهري يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لا يختلف موقفه من الدم عن الغزالي. قبل 35 عاما قرأت كتابه الصادر في الدوحة “الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف”، وهو طبعة مزيدة من كتابه “ظاهرة الغلو في التكفير”، وفيه يحنو على المكفّرين الشبان بحجة أنهم “متدينون مخلصون، صوامون قوامون، غيورون، قد هزهم ما يرونه في المجتمع من ردة فكرية وتحلل خلقي وفساد اجتماعي واستبداد سياسي. فهم طلاب إصلاح حريصون على هداية أمتهم، وإن أخطأوا الطريق وضلوا السبيل. فينبغي أن نقدر دوافعهم الطيّبة ولا نصورهم في صورة سباع ذات مخالب وأنياب”. وأرجع انتشار التكفير إلى “تساهل بعض العلماء في شأن هؤلاء الكفرة الحقيقيين وعدهم في زمرة المسلمين والإسلام منهم براء”.

بعد تفجير كنيستين في طنطا والإسكندرية واستشهاد 46 شخصا، سأل مذيع الجزيرة القرضاوي عن حكم الدين في شخص يفجّر نفسه “ليستهدف تجمعا تابعا للنظام الجائر ولو نتجت عنه خسائر في صفوف المدنيين”، فأفتى بجواز ذلك “إذا الجماعة رأت أنها في حاجة إلى من يفجّر نفسه في الآخرين.. وتدبر الجماعة كيف يفعل هذا بأقل الخسائر الممكنة، وإذا استطاع أن ينجو بنفسه فليفعل، إنما لا يترك هذا الأمر للأفراد وحدهم..”. لا تسأل أين القانون؟ وأي جماعة تلك التي تسكن قلبه ولا تفارق لسانه في حين تغيب الدولة؟

الخطاب الأزهري غير عصري، يعادي الحداثة ويجهل تطور الأخلاق التي لم تعد تسمح بالرق مثلا. ولكن الأزهرية سعاد صالح أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر ترى أن أسيرات الحرب ملك يمين “مشروع″ للجيش أو قائده، “لكي يذلهن. يستمتع بهن كما يستمع بزوجاته”، ولم نعرف ما الحكم لو كان قائد الجيش المصري مسيحيا؟ وماذا لو وقعت مسلمات أسيرات لدى العدو؟

خطاب يستعصي على الإصلاح، في انتظار ثورة تنسفه وتعيد بناءه.

13